تحدثنا أمس عن استخدام «جليلة» لخبرتها فى إحكام سيطرتها على خالد الذكر الشيخ سيد درويش، لم تكن تدرى أن الشيخ سيد سوف يشهر أسلحته الفنية ليؤدبها ويجعلها تدرك أنه صعب الاحتواء ولا يحنى رأسه أبدًا، فغنى لها فى رسالة واضحة وصريحة قائلا:
«عذابى لو كان يهنالك.. شىء مش غريب وحياة خالك.. الدنيا دى مش دايمًا لك.. دى كلها يومين وتعدى.. كلها يومين يحيلوكى.. على المعاش وحياة أبوكى».
اقرأ أيضًا | هز الهلال يا سيد! «1 - ٢»
سخرية الشيخ سيد أشعلت النار فى قلب «جليلة»، وجعلتها تحس أنها تلقت أكبر صفعة منه، فقررت أن ترد له التحية بأحسن منها، عندما قررت أن تستخدم ما لديها من أسلحة تشعل بها فؤاد الشيخ، وتبين له أنها مرغوبة وراغبيها على استعداد أن يفرشوا الذهب تحت أقدامها، فقامت بعمل علاقة غرامية مع أحد الجواهرجية الذى كان ينتظر منها نظرة، ويطمع فى إشارة محبة، وكم طاردها فى الصباح والمساء عارضًا أن يأتى لها بنجمة من السماء إذا طلبت، وأغراها بما يمتلكه من مجوهرات وذهب وأموال تزخر بها خزائن محلاته!
كانت تتمنع وتتكبر لأنها كانت تريد الشيخ سيد وتهواه حتى لو تكبر عليها، لكنها قررت أن تلوعه من جديد وتشعل نار الغيرة فى قلبه بعد أن سخر منها بكلمات منغمة سمعها الناس منه، وظنت أنه سوف يأتيها زاحفًا عندما يعلم أنها باعته واشترت الجواهرجى الذى سيغرقها فى الذهب، وطار الجواهرجى من الفرح لرضا «جليلة»عنه، وهنا تيقن الشيخ سيد أنها خانت عهودها معه عندما رأها تسير أمامه وهى ترتدى «خلخالًا» من الذهب حصلت عليه من الجواهرجى الذى شاهده يتردد على بيتها أكثر من مرة، وشاهدها تتردد عليه فى محل المجوهرات، فقرر الشيخ سيد أن يستخدم فنه فى الانتقام من الجواهرجى ومنها فى لحن غير مسبوق يقول فيه:
« فى الصاغة الصغيرة.. شوف سوق العجايب والعجب.. على الشمال أول دكان.. صاحبه جدع اسمه القطان..وساتت دكان.. استنى عنده يا بو القمصان.. تلقى اللى فيه قاضى النسوان.. عمر اللى زيه ما ينعتب.. بيقولوا مره عمل خلخال.. ينفع ركاب لتلات بغال.. سألت مين لبسته يا عيال.. قالوا جليلة أم ركب.. ما عرفش إن كان دا معلم.. ولا دا للعشاق سلم.. صبرك عليه بكره يضلم.. وتشوفوا فيه كل العجب).
أصبحت هذه الأغنية على كل لسان، وسارت بين الناس كما تسرى النار فى الهشيم، فأحست «جليلة» لأول مرة أنها لابد أن ترفع الراية البيضاء، تعبيرًا عن استسلامها فى المعركة التى أشعلت نيرانها، فقطعت علاقتها بالجواهرجى الذى فضحه سيد درويش، وبدأت تزحف من جديد كما الحية التى تبحث عن صيدها، لكنها فى هذه المرة قررت أن تقدم ندمها وتوبتها للشيخ سيد، قررت أن تسترضيه بأى طريقة، هل عادت لأنها تحبه؟ أم عادت لأنها تفكر فى السيطرة عليه والانتقام منه عندما تحين الفرصة المناسبة، لكن الشيخ سيد الذى عانى منها كثيرًا أصبح لا يأمن لها، ولم تنطلِ عليه كلماتها المعسولة الناعمة، وهمساتها المرهفة الحانية، ولفحات أنفاسها الدافئة التى تذيب بحرارتها الحجر، فصدها بأغنية تهكمية ساخرة يقول فيها:
«اطلع من دول أنا مش منهم.. يالا أسرح دور على غيرى.. ما يغركشى ضحكى ولعبى.. دى أمور نسوان وحياة ربى.. أحسن لك تسرح ع الشاطبى.. وفضلك منى ومن غيرى.. بدك تعرف اسأل بابا.. وإن كنت حويط مش على بابا.. أحسن لك تسرح بربابة.. وفضك منى ومن غيرى.. قالوا لى الناس على أوصافك.. تعشق وتكايد عزالك.. قصدك تبلفنى بجمالك.. يا خى فضك منى ومن غيرى».
بهذه الكلمات أصبح اللعب بين سيد درويش وجليلة على المكشوف، وبهذه الكلمات أيضا أصبح لدى (جليلة) يقين تام بأن سيد لن يعود إليها مهما فعلت، فقد أصبح فى داخله حائط صد منيع لا يأبه بدموعها، ولا يضعف أمام ما تقدمه من مغريات أنثوية، وقد تأكد لها ذلك بما لا يدع مجالا للشك عندما صدمها بقرار رحيله إلى القاهرة بحثا عن المجد الذى ينتظره، وهروبا من الذكريات والحنين الذى قد يضعفه فيجعله يسقط فى حبائلها من جديد.
فر الشيخ هاربًا من الإسكندرية تاركا ملهمته التى فجرت فيه أجمل طاقاته الإبداعية الصادقة، فهل تخلص من شبح «جليلة» الذى أصبح يطارده فى ليالى القاهرة كلما استرجع ذكرياته معها؟
فى الحقيقة لقد كان شبح «جليلة» المطارد لسيد درويش هو شبح ملهم ولكن بمفهوم آخر، إذ سيطر على الشيخ إحساس غريب بأنه أضاع الكثير من حياته فى سيناريو الصد والرد الذى كتبته له الأقدار مع «جليلة»، ولم يتوقف كثيرا أمام الحقيقة المؤكدة التى تدلل على أن هذا السيناريو القدرى هو الذى فجر فيه تلك الطاقة التى جعلته يبدع أجمل ما أبدعه من ألحان، فقط أحس بالندم على هذه الفترة، فأبدع من هذا الإحساس رائعته التى يقول فيها لشبح «جليلة»: «ضيعت مستقبل حياتى فى هواك.. وازداد عليه اللوم وكتر البغددة.. حتى العوازل قصدهم دايما جفاك.. وأنا ضعيف ما قدرش أحمل كل ده».
مازال شبح جليلة يطارد سيد درويش عندما يخلو لنفسه فى ليالى القاهرة، ويبدو أنه قد مل من مطاردة الذكريات له فوضع خطة للخلاص مما يجيش فى داخله من عواطف تشده لحنين الحب الذى كان ومازالت له رواسب لم يتخلص منها بعد، فيغنى رائعته المعبرة عن ذلك قائلا: «أنا هويت وانتهيت وليه بقى لوم العزول.. يحب أنى أقول الحب ده عنى يزول.. ما دمت أنا بهجره ارتضيت خللى بقى اللى يقول يقول».
وضمن خطة العلاج التى وضعها لنفسه للخلاص من هذا الحب الذى يراوده بين الحين والآخر يبعث برسالة غنائية لداخله أولا ثم لشبح «جليلة» ثانيا يقول فيها: «أنا عشقت وشفت غيرى كتير عشق..عمرى ما شفت المر إلا فى هواك.. وكم صبرت ما كانش فى يوم نتفق.. مع أن قلبى كان أسير يطلب رضاك.. خنت الوداد.. بلاش تغير لما تشوفنى مع سواك».
لقد وجد الشيخ سيد درويش الحل فى أن يحب مرة أخرى، فالحب الثانى من الممكن أن ينسيه المتاعب التى يطارده بها شبح «جليلة « رغم البعاد، فقال لها: «بلاش تغير لما تشوفنى مع سواك»، ويؤكد على حقيقة مهمة وصل إليها عندما يقول: «قلبى ما عدش يرق بعد اللى حصل.. غيرك هويت قوام نسيت حبك ياريت.. كان من زمان ولا كانش حالى لدا وصل».
أنشغل الشيخ ليل نهار بالأعمال الفنية الكثيرة التى أبدعها للفرق المسرحية بالقاهرة، ورحلاته الفنية التى قام بها لبلاد الشام، وأحب وتزوج وأنجب وأصبحت ألحانه تتردد على كل لسان، فهل تخلص نهائيا من شبح «جليلة» الذى يطارده أينما كان؟
أعتقد أنه عبر عن ذلك فى لحنه الرائع الذى يقول فيه: «يوم تركت الحب كان لى فى مجال الأنس جانب.. ورأيت المجد عاد لى بعد ما كان عنى غايب.. مين يصدق بعد ميلى إنى أقول الهجر واجب»!
على أى حال.. مهما كانت مشاعر خالد الذكر الشيخ سيد درويش تجاه سيناريو القدر الذى جمعه بجليلة وفرق بينهما، فمن الأنصاف أن نقول إن القدر الذى أوجد «جليلة» فى حياة سيد درويش لكى تعذبه مرة بالصد ومرة بالهجر، ومرة بالغيرة ومرة بالقرب، ومرة باللوعة ومرة بالحيرة، هو قدر محسوب ومكتوب لتفجير عبقرية هذا الفنان الذى استخلص ألحانه من واقع مشاعر حقيقية عاشها وهضمها وترجمها وأفرزها بصدق فوصلت إلينا بنفس الحرارة والصدق، ولا يمكن أن نتجاوز التفسير النفسى والعاطفى الذى لعبته «جليلة « كملهمة لخالد الذكر الذى لن يجود الزمان بمثله.
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







