شخصيات لا تنسى

هز الهلال يا سيد! «1 - ٢»

 الشيخ سيد درويش
الشيخ سيد درويش


عندما  يسود الجهل وتفقد الأمة ما بقى لها من ذاكرة، فلا عتب على مقدم برامج أطل علينا بواحدة من إحدى الفضائيات ليعقد مقارنة بين خالد الذكر الشيخ سيد درويش والمؤدى الشعبى شعبان عبد الرحيم، والطرح ذاته يعتبر»نكتة» سخيفة تكشف ما وصلت إليه ثقافة البعض من ضحالة وتدنٍ! 
الحديث عن سيد درويش لا تكفيه مقالات تتناوله فنيا وإنسانيا ورصد حسه الوطنى فى صدامه مع القصر والاستعمار، ووفاته الغامضة وهو فى ريعان شبابه، وعلاقته بملهمته «جليلة» الجميلة المثيرة التى أثرت فى وجدانه وحياته وموسيقاه وألحانه، وساهمت بشكل أساسى فى مفردات الألم التى فجرت بداخله أحاسيس الصد والرد، والقرب والبعد، والهجر والود، والعناد واللين، والتمرد والخضوع، والتماسك والانكسار، والشكوى والحنين، والنشوة والأنين، والقوة والتحدى وقهر المستحيل، وأؤكد أن كل الدراسات والمقالات التى تناولت خالد الذكر، تغاضت عن تشريح وتحليل وتفكيك الأثر النفسى والعاطفى الذى حركت به «جليلة « قريحة موسيقار القرن العشرين، وموسيقار القرون القادمة بلا منازع !! ولولا «جليلة « ما كنا سمعنا فى ألحان خالد الذكر صدق المناجاة، ومرارة اللوعة، ولوم العتاب، وجبروت المحب فى لحظة القسوة، وضعف الحبيب فى لحظة الشوق واللهفة .


كان لقاء الشيخ سيد درويش بجليلة أشبه بلقاء حبات المطر بالأرض الجافة، كان يغنى لقوم فى ملاه وبارات ومقاه لا يسمع فيها الناس إلا ما يدور فى داخلهم، فكان كمن يغنى لنفسه مضطرا من أجل القروش القليلة المتفق عليها، لكنه فى ذات ليلة، وفى ذروة ضيقه من هؤلاء السميعة الذين هم ليسوا بسميعة، شاهدها، كانت تجلس بين الناس وكأنها ليست منهم، كانت منفصلة تماما عنهم، تسمعه وكأنه يغنى لها وحدها، كانت ترسل له بنظرات تعنى الاستحسان، وتعنى أنها ذواقة للنغمة والكلمة، فرد تحيتها بأحسن منها وارتجل فى الحال كلمات ترنم بها فى التو واللحظة : « حلوة البنية يا بطتها .. خفة ودلوعة يا حلاوتها ..لما رأيت حسن جمالها .. والعفة والأنس خصالها .. شرحت أنا حالى وحالها .. فهمت كلامى يا حداقتها .. قلت لها ألغاز تفهمها .. أنشأها قلبى ورسمها .. لما لقيتها زادت فى قلبى محبتها «، بهذه الكلمات غازل «جليلة « صاحبة الجمال والأنوثة والخبرة فى صيد من تهواه ! 
■ ■ ■
فى تقديرى أن الشيخ سيد درويش لم يقع فى غرام «جليلة « من أول نظرة، أعجبه فيها إحساسها بتذوق نغماته، فلم يكن سيد درويش من أصحاب الأصوات الصداحة، ولكنه كان يتميز بصدق وأصالة ألحانه التى لم يأت بها أحد من قبله ولم يصل إليها أحد من بعده، ومع هذا لم يجد الشيخ من كل هؤلاء السميعة اللاهين عنه، التقدير الذى قدمته له «جليلة «، فكانت أول من أوقدت له الشموع التى أضاءت له طريق النبوغ، فظل يلحن ويغنى طمعا فى مزيد من التقدير الذى استثمره فى صنع أجمل الأدوار والطقاطيق التى تشتعل بكلمات الحب التى تروى سيناريو العلاقة بينهما، فتحول التقدير إلى إعجاب، ثم لقاء، وتعددت اللقاءات، حتى غرق الشيخ فى بحر الحب، وأيقنت جليلة أن الصيد وقع فى شباكها وأصبح كما الخاتم فى إصبعها!!
 ويبدو أن «جليلة « لم تفهم طبيعة الشيخ سيد المتمردة الثائرة التى لا تقبل قيدا أو شرطا، فبدأت مرحلة الصد والرد، تتركه ثم تبحث عنه، ويتركها ثم يبحث عنها، يلتقيان، يغترفا من بحر الحب، ثم يختلفان، ويعود كل منهما ليبحث عن الأخر من جديد، فهو بالنسبة لها رجل لابد من ترويضه، وهى بالنسبة له ملهمة تشحن طاقته الإبداعية وتحرك فيه الخيال، ولا يستطيع الاستغناء عنها أو الفكاك من أسرها الطاغى على روحه الفنية والإنسانية .


عندما اتهمه المقربون منه بأنه غرق فى حبها، وزادوا فى إثارة حساسيته المفرطة بأنه ليس سوى صيد جديد سوف تضيفه إلى رصيد عشاقها ثم تتركه لتبحث عن آخر، لم يهتز الشيخ لما يسمع لأنه لم يكن قد وقع بعد فى الحب الذى يتحدثون عنه، وأبدى لهم أن ما بينه وبينها مجرد تقدير منه لتقديرها لفنه، فنقلوا إليها ما قال فهجرته لكى تختبر عواطفه، فأحس لأول مرة بمرارة الهجر ولوعة الشوق، وحركت قريحته ما ينبض به قلبه، وأرسل لها بأغنية يقول فيها :
« تهمونى فى حبك تهمونى ..الله يجازيهم ظلمونى ..خلونى أحقق وأنظر لك ..وأفكر فيك دايما وأميل لك ..فؤادى من وجدى مشغول بك ..الله يجازيهم ظلمونى ..دا غرامك لم كان على بالي.. وخلافك ما بقاش يحلا لى ..ما يصحش تهجر يا غزالى ..وتخلى العذال يلومونى « .


أيقنت «جليلة « بخبرتها فى تلويع من تريده، أنها سيطرت على مشاعره وأحاسيسه بالكامل، فزادت من السيطرة بخبرة الأنثى الراغبة والمتمنعة، مرة ترخى حبال الود، ومرة تلعب على حبال الصد، وهى لا تدرى أن هناك صراعا بين العقل والعاطفة يدور داخل الشيخ، يريدها ملهمة أكثر منها امرأة تلاعبه بالغريزة، فغنى لنفسه رسالة تحذير يقول فيها :» يا فؤادى ليه بتعشق .. الحبيب قاسى عليه ..قلبه ظالم لم بيشفق ..وأنا صابر ع الآسيه ..خايف أشكى من صدوده .. يفرحوا عذالى فيا ).
نجحت جليلة فى رسم خططها الدفاعية والهجومية حتى تسللت إلى أعماق قلب الشيخ الذى استعذب ذلك فى بداية الأمر، ووجد فى نفسه ما يفجر طاقته الإبداعية للتعبير عما تنبض به أحاسيسه فى تلك المعركة الغرامية القائمة على تكتيك الكر والفر، فغنى لها : « عشقت حسنك وأنت ليه حرقت قلبى بنار الجوى .. صدك وهجرك يصعب عليه وأنت داؤه وأنت الدوى « .


■ ■ ■
فرضت «جليلة « على سيد درويش فنون الحصار العاطفي، فلم يعد قادرا على الفكاك منها، لكنه لم يكن بالمحب المتذلل، كلام الناس هو الذى أضعفه عندما وصل لأسرته التى أحست بمهانة لارتباطه بالمرأة التى تلوك سمعتها الألسنة فى الإسكندرية، وتعقد الأمر عندما أصبحت شقيقته مهددة بالطلاق، وهدد خطيب شقيقته الأخرى بفسخ الخطبة، فرضت العائلة شروطها عليه بقطع علاقته بتلك المرأة، والابتعاد عن الوسط الفنى وقبل الشيخ وانتقل للعمل مع زوج شقيقته فى النجارة، وتركها للعمل بمحل للعطارة، ومنها للعمل مع طائفة المعمار، ظل يتنقل من عمل لعمل، و»جليلة» تبحث عنه وعندما تجده يتهرب منها حفاظا على وعده لأسرته، لكنه كان يحس بداخله أنه مشتاق إليها، تعب الشيخ من الكر والفر، ونداء القلب الذى يدفعه دفعا نحو «جليلة» حتى أصابه الملل وأحس أنه خلق للموسيقى، وأيقن أن «جليلة « قدره، فتمرد على من حاولوا قتل مشاعره الفنية والإنسانية، فأمسك بالعود ولحن أغنيته الشهيرة : « فى شرع مين قاضى الهوى ..يذله خصمه ويحكمه..هو الطبيب مالوش دوا ..وسرى أزاى أكتمه «، ثم يوجه رسالة مغناة لجليلة يقول فيها :» الصب من بعدك هلك..والصبر له أحسن طبيب..تركت أهلى وملت لك ..والناس بتعطف ع الغريب..قلبى أنشبك..وأمتى وصالك ياقمر ؟!» .


عاد سيد درويش يطلب الوصال من جليلة، وهذا ما كانت تبتغيه وتنتظره، فبدأت تستحوذ عليه بأنوثتها وخبرتها لكى لا يفلت من شباكها مرة أخرى، واستوعبت تمرده وقلقه الذى يجعله كما العصفور الذى لا يقبل الحبس ولو فى قفص من الذهب، وأخذت تتفنن بكل أساليب المراوغة التى جعلته يغنى لها :» يا للى قوامك يعجبنى .. ليه بس ترضى لى صدودك .. يا هل ترى بتأدبنى .. أكمن عذالى شهودك ؟»، ويبدع فى لحن : « أروح لمين أشكى حبيبى .. والدهر والعذال حكام «، ويبدو أن جليلة استعذبت آلامه فأشعلت فى قلبه الغيرة ظنا منها أن هذا الأسلوب سوف يجعله أسيرا لها، فبدأت الشكوك تساوره وبدأ يسترجع ماضيها، وبدأ عقله فى صراع مع عاطفته، هل يقبل هذا ؟ .. ولماذا ؟ .. هل يمكن أن تعذبه امرأة مهما كان حبه لها ؟ .. هل يضعف أم لابد أن يكون له موقف ؟ .. هذا ما سنعرفه غدا بإذن الله .