كنوز| 46 عامًا على غياب «الضاحك الباكى».. باشا صاحبة الجلالة

فكرى أباظة مع عبد الناصر قائد الضباط الأحرار
فكرى أباظة مع عبد الناصر قائد الضباط الأحرار


تشارك «الأخبار» فى إحياء الذكرى 46 للكاتب الساخر الكبير فكرى باشا أباظة المحامى القدير، والبرلمانى العريق، والإذاعى صاحب الصوت الساحر الذى ودعته مصر فى 14 فبراير 1979، كان محبوبا ومقدرا من كل الشعوب العربية التى كانت مغرمة بأحاديثه النقدية الساخرة التى يقدمها بالإذاعة، ووصف مصطفى أمين إسهاماته الإذاعية بقوله: «بعضهم يذكره وهو يتحدث فى التليفزيون يسخر ويلدغ، ويضحك ويهزأ، ويملأ الشاشة الصغيرة حبًا ومرحًا»، وقال كبيرالمذيعين محمد فتحى الملقب بكروان الإذاعة : «مساهمة فكرى باشا أباظة فى مجال الإذاعة مساهمة عزيزة يجهل قدرها الكثيرون فى استفهاماته، واستنكاراته، وتعجّباته ووقفاته، وعباراته المباشرة المعبّرة، وبيانه الناصع، وعدم استحيائه فى الحق، لا بالعنف والتهجم وإنما بروح السماحة الرياضية التى جعلته صاحب أسلوب فذّ لم يسبقه إليه أحد وهيأت له الصدارة بين جهابذة الكتاب والشعراء والساسة وقادة الفكر».

اقرأ أيضًا| محافظ القليوبية يفتتح النسخة الأولى لمعرض كنوز مطروح للترويج للتراث

حقق فكرى أباظة فى المحاماة الشهرة التى لم يحققها محام آخر، وتميز كبرلمانى مخضرم، ونال الرئاسة الشرفية للنادى الأهلى، واختاره أهل الصحافة نقيبا لهم لعدة دورات متتالية، وأصبح بقلمه وتأثيره رئيسا لمجلس إدارة «دار الهلال» ورئيسا لتحرير مجلة «المصور»، وكان باعة الصحف ينادون اسمه مقرونا بالصحيفة التى يكتب لها «اقرأ فكرى أباظة الأهرام»، و«اقرأ فكرى أباظة المصور»، اسمه وحده يرفع التوزيع، وتوقفه عن الكتابة لصحيفة يعنى انهيارها، كان يمارس النضال فى الحركة الوطنية، وكان من خطباء ثورة 1919 التى ألف لها نشيدها الثورى الذى تغنى به المسلمون والأقباط أثناء تواجده فى أسيوط وطلبت السلطات البريطانية القبض عليه، لكنه تنكر وادعى أنه تاجر حمير! وهرب إلى القاهرة.

 عشق الموسيقى وألّف 100 قطعة تُعزف على الناى والمندولين، وحصل على الباشوية من الملك فاروق فأصبح أول «باشا» فى بلاط الصحافة، كان له صولات وجولاته ومعارك تحت قبة البرلمان، يصفها الكاتب الكبير مصطفى أمين قائلا: «كان فكرى أباظة أحد نجوم البرلمان، كان خطيبا رائعا ومحدثا ممتازا، ومقاطعا ذكيا، ومعارضا خفيف الدم، سهامه كانت تجرح الحكام ولا تسيل دماءهم، والكلمات تصيب كأنها طلقات الرصاص ولكنها لا تقتل، مكثت عضوا فى المجلس خمس سنوات معه، كان مقعدى وراء مقعده، كنت اسمعه يتكلم فيطربنى، كان ينتزع التصفيق من الذين يهاجمهم، فقد كانوا يعلمون أنه رجل مؤمن بما يقول، لا يريد لنفسه منصبا أو جاها أو مالا، وكانت تلك سر قوته، كان من ألمع أعضاء الحزب الوطنى الذى لا يزيد أعضاؤه فى البرلمان عن ثلاثة أو أربعة، ومع ذلك إذا تكلم أحسست أن وراءه أغلبية، وشعرت أنه لا يتكلم بلسان النواب الأربعة، وإنما بلسان مصر كلها، رشح نفسه نائبا فى أول انتخابات برلمانية عام 1924 واكتسحه مرشح سعد زغلول برغم أن الأسرة الأباظية تكتلت لتأييده، لم يغضب فكرى أباظة على سعد زغلول لأنه أسقطه فى الانتخابات، ولم يشترك فى الحملة الطاغية التى شنها عليه الملك فؤاد وأنصاره بعد أن أسقطه الإنجليز من رئاسة الوزارة عقب مقتل السردار.

اقرأ أيضًا| المنتجات المتوافرة بمعرض «كنوز مطروح» للترويج للتراث بالقليوبية| صور

حقق أسطورة عالم الصحافة ما لم يحققه أى كاتب صحفى آخر من شهرة ومجد وتأثير بين القراء فارتفعت قيمته وعلت قامته بين الناس والحكومات التى تخشى كتاباته واستجواباته البرلمانية، وبرغم تأييده لضباط 23 يوليو 1952، واقترابه منهم واعتزازه بقائدهم جمال عبد الناصر فى كل كتاباته المؤثرة شعبيا، إلا أن قرار إعفائه من كل مناصبه الذى أصدره عبد الناصر كانت أبعاده غامضة وغير مفهومة فى الوسط الصحفى بعد نشر مقال «الحالة . ج» بصحيفة «الأهرام» بتاريخ 18 أغسطس 1961، الذى نوه فيه إلى أن الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالى والاشتراكى، سوف تتحول إلى حرب ساخنة، ورأى أن الوسيلة الوحيدة للحيلولة دون حدوث ذلك تكمن فى حل جميع الأحلاف العسكرية، والاتفاق بين المعسكرين على تصفية كل مناطق التوتر فى العالم، وفى مقدمتها اتفاق دولى على حياد منطقة الشرق الأوسط ودول الجامعة العربية، واقترح أن يكون هناك اتحاد فيدرالى بين الدول العربية يدمج بين جيوشها ويوحد بين سياستها الخارجية وتندمج فيه فلسطين، وإسرائيل عندما تنزع عن نفسها «يهودية الدولة»، وفى اليوم التالى فوجئ قراء «الأهرام» ببيان إعفاء فكرى أباظة من رئاسة مجلس إدارة الهلال ورئاسة تحرير المصور، ونتج عن ذلك هزَّة عنيفة فى الوسط الصحفى، بحكم ما يتمتع به فكرى أباظة من مكانة يحتلها بين الصحفيين، وما قدمه لنقابتهم من إنجازات لا ينكرها إلا جاحد طوال فترة رئاسته لمجلسها.

اقرأ أيضًا| كنوز| نصف قرن على غياب «سيدة الغناء» الخالدة فى قلوب الملايين

سافر فكرى أباظة بعدها للإسكندرية وتلقى اتصالا من محمد حسنين هيكل الذى التقى به، ولم يفصح فكرى باشا عما دار بينهما، ولم يكتب «هيكل» أى شيء عن المقابلة، وبعد ما يقرب من خمسة أسابيع على نشر مقال «الحالة .ج»، نوهت «الأهرام» فى صفحتها الأولى بتاريخ 24 سبتمبر 1961 بأنها سوف تنشر مقالاً فى اليوم التالى بقلم فكرى أباظة بعنوان «بين قلمى وضميرى» الذى أكد فيه أن قلمه لا يمكن أن يختفى فى عهد عبد الناصر، وكان لابد له أن يستأنف جهاده فى سبيل الثورة وقائدها، منبهًا قراءه إلى أنه فى هذا المقال الذى احتجب قلمه بسببه قد محا إسرائيل محوًا من خريطة العالم، وحطم دولتها تحطيمًا، وأعاد الأرض التى دنستها إلى أصحابها الفلسطينيين، وذكر القراء بمواقفه المناصرة والمتحمسة للقضية الفلسطينية خلال الأعوام السابقة صحفيًا ونائبًا وخطيبًا، ولم يعدْ فكرى أباظة إلى نشر مقالاته فى «المصور» إلا فى بداية إبريل 1962، بعد ستة أشهر من نشر المقال التوضيحى الذى اعتبره بعض الصحفيين اعتذارًا مهينًا لكرامة أكبر صحفى عربى كانت له مكانة خاصة فى نفس وقلب وعقل الرئيس محمد أنور السادات الذى كان يناديه بلقب «شيخ الصحفيين» فى كل لقاءاته بالصحفيين، واعترف الكاتب المخضرم حافظ محمود صاحب الرقم «1» فى جدول النقابة بأن مبنى النقابة بنى بالأموال التى جاء بها فكرى أباظة من الحكومة، وهو صاحب الفضل فى الدفاع عن قوانين النقابة فى البرلمان ومنها قانون المعاشات والدمغة الصحفية، وتعديل قانون المطبوعات، وتصديه لكل مشروعات القوانين المقيدة للصحافة، وكان حافظ محمود يقول: «مناقشاته معنا فى مجلس النقابة كانت تكفى لتدوين سجل من سجلات التاريخ».

 

60 سنة صداقة بين باشا الصحافة وكوكب الشرق 

يقول فكرى أباظة عن صداقته لأم كلثوم التى امتدت 60 عاما بلا انقطاع فى مقال نقتبس منه السطور التالية: «كنت أتابع مراحل أم كلثوم من الفقر المدقع إلى نعم الله المغدقة، كانت لماحة وموهوبة، تابعتها فى الموالد والحفلات منذ أن كانت فتاة صغيرة ترتل القرآن وتغنى المقطوعات الريفية، وكنت أراجع عقود حفلاتها من مرحلة القرش إلى مرحلة آلاف الجنيهات، والكتابة عنها تحتاج لمجلدات لتدوين تاريخ هذه المعجزة التى حباها الله بصوت لا يتكرر».
قالت لى أم كلثوم «نفسى أسمع منيرة المهدية «فذهبت بها إلى تياترو» كافيه ريش»، جلست تستمع وتترنح طربا، وقالت لى فى نهاية الحفلة «حنجرة غير عادية»، مرضت منيرة باحتقان اللوزتين، فحصها أكبر أخصائى فرنسى وهو يقول لزملائه «لو أمكننا بعد عمر أن نحصل على هذه الحنجرة لاستفاد العلم كثيرًا، لعلها توصى بها لمؤسسات العلم فى فرنسا»، وكانت أم كلثوم أسبق من الطبيب الفرنسى فى ملاحظته بسنين.

استمع «العقاد» أشهرعازفى آلة «القانون» لأم كلثوم فأعد لها أول حفلة فى أرض فضاء خلف «قهوة المالية» وغنت لأول مرة فى القاهرة وكان ذلك اليوم هو «الفاتح» فى طريقها إلى عالم الأضواء، وفى ليلة ليلاء كانت أم كلثوم متعاقدة على إحياء فرح بقرية بالغربية، ركبت القطار مع والدها وأخيها خالد والشيخ صابر، وعندما وصلت إلى محطة القرية لم تجد «الركائب». سارت ومن معها على الأقدام وعندما وصلت وجدت القرية مظلمة، سألت عن صاحب الفرح فقادوها إلى بيته فدق والدها الباب وخرج صاحب الدار سائلا «ماذا تريدون؟»، قالوا «الفرح»، فقال بسذاجة «ما احنا أجلناه»، فقال والدها «ولماذا لم تخطرونا تلغرافيا»، فرد «ما هى البلد كلاتها عارفة !»، قالت لى أم كلثوم وهى تروى الحكاية «كنت دائما أستأذن والدتى قبل أى اتفاق ونسيت أن استأذنها فى هذه المرة فأصابتنى الحمى التى عانت منها طويلا»، وأذكر هذا بمناسبة فيلم «وداد» الذى قامت ببطولته بأجر خمسة آلاف جنيه، حررنا العقد مع طلعت باشا حرب، وكان موعد التوقيع فى الرابعة مساء الأربعاء، كان عندى قضية فى الإسماعيلية وأكرمنى القاضى بنظرها قبل غيرها وعدت للقاهرة قبل الميعاد بأربع ساعات وبحثت عن أم كلثوم لأذكرها بميعاد توقيع العقد ببنك مصر فوجدتها فى حلوان عند صديقة لها، وقالت بكل بساطة «أنا آسفة، حاولت أن أتصل بوالدتى لأستأذنها فى توقيع العقد وتعذر ذلك، ويستحيل أن أوقع العقد قبل أن تقول لى والدتى توكلى على الله»!

فى 1947 أجريت جراحة بالشبكية فى عينى اليسرى وقررت أن أقدم استقالتى من رئاسة تحرير «المصور» لأنه يصعب أن أكتب يوميا وأراجع البروفات والعملية لم تنجح بعد، زارتنى أم كلثوم فأطلعتها على الاستقالة فمزقتها وهى تقول «جمال بك أباظة اعتاد أن يختار لى بعض أبيات من أشعار الفيلسوف أبو العلاء المعرى، وأبيات لبشار بن برد، وكان كل منهما «كفيف»، يا فكرى إذا راح البصر تبقى البصيرة»، وكنت معها عندما سافرت لإحياء فرح أحد أعيان بلدة إبراهيم عبد الهادى باشا، وكان معنا بالسيارة فونوغراف وأسطوانات لمحمد عثمان والحامولى، والمنيلاوى، وعبد الحى حلمى، ظلت أم كلثوم تسمع وتغنى فقلت لها «لماذا لا تغنين هذه الأدوار؟!»، فقالت «أيصل بى الغرور أن أطاول أولئك الأفذاذ، أنت عايزنى أكون سخرية المستمعين؟»، وشاء الله أن ترتفع حتى أصبحت سيدة الغناء العربى فى القرن العشرين والقرون القادمة.

فكرى أباظة «المصور» 14 فبراير 1975

مواصفات خيالية لـ «عروس» نقيب الصحفيين !

عرف الكاتب الكبير فكرى أباظة بأنه أشهر عازب فى الوسط الصحفى، خاض تجربة الخطوبة 12 مرة لكنه لم يوفق فى واحدة منها ليصبح لديه أسرة وأولاد، ويقول الكاتب الكبير مصطفى أمين : « كنت أسأل فكرى أباظة دائماً.. لماذا لم تتزوج ؟..

وبقيت أوجه له هذا السؤال حتى بلغ الثمانين من العمر، فكان يقول «هات العروس التى تتوافر فيها شروطى وأنا أتزوجها بعد 24 ساعة»، وبالبحث فى مقالاته الساخرة عثرنا على مقال يحدد فيه مواصفات «العروس» أو الزوجة التى يريدها، ونوجزها فى السطور التى يقول فيها : «أريدها امرأة تشجعنى على الصمود، لا تدفعنى إلى الاستسلام، تفخر بى فى السجن أكثر مما تفخر بى فى مقعد الوزارة، ترضى أن تعيش معى شريفاً فى كوخ بسيط على أن تعيش معى لصاً فى قصر كبير، أريدها امرأة زاهدة.

لا تطلب منى أن أقبل الأيادى لأصبح وزيراً ولا أمسح الجوخ لتصبح زوجة أحد عظماء الدولة، أريدها مقطوعة من شجرة ليس لها أم تغضب عندها وليس لها أب تهددنى به، ، وليس لها أشقاء تلح على أن أحفى قدمى لمنحهم ترقيات وعلاوات واستثناءات، أريدها ضاحكة باسمة فأنا أكره العبوس والتكشير والتبويز، وأحتفظ بحقى فى العبوس والتكشير والتبويز فأنا الذى أحمل المسئوليات والأعباء ومن حقى أن أنفخ كما أشاء، أريد أن يكون لى وحدى حق السفر فأنا أعشق السفر للخارج دون شريك أو رفيق أو حارس قضائي، يكفى أن أحمل على ظهرى حقائبى ولا أريد حقيبة أخرى، أريدها جميلة أفتح عينى على وجهها فى الصباح فتفتح نفسى وأغمض عينى على وجهها الصبوح فى الليل فأستغرق فى أحلام حلوة.

لا أريدها كئيبة لا أكاد أراها فى الصباح حتى أقول «أعوذ بالله» ولا أكاد أرى وجهها الذى يشبه العفريت فى الليل حتى أصرخ «بسم الله الرحمن الرحيم»، أريدها أن تكون المرهم الذى يضمد جراحى لا الخنجر الذى يطعنني، أريدها أن تكون برشامتى لا أن تكون صداعي، أريدها أن تغطى أخطائى لا أن تقوم بمهمة البوليس السرى والمباحث والمخابرات فى بيتى، أريد أن تكون عاقلة وأكون أنا المجنون، هادئة وأنا العصبي، إذا تكلمتُ سكتتْ وإذا غضبتُ ابتسمتْ، وإذا ثرتُ ضحكتْ، وأن تكون ملهمتى أول من يقرأ ما أكتب وتصارحنى، فالكاتب يجد الإعجاب فى كل مكان ولا يجد النقد المخلص فى أى مكان، وأخيرا أريدها أن تكون شجاعة كصفية زغلول، ووقورة كهدى شعراوي، وست بيت كأمى، وخفيفة الدم كأم كلثوم»!!
 

عتاب «الأمير» لشيخ الصحفيين

إلى أعز الأصدقاء وأعز الزملاء الأستاذ محمد التابعى، قبلة حارة أطبعها على شفتيك ووجنتيك مهنئا بسلامة العودة والشفاء التام بعد مرضك الطويل فى لندن، صدقنى أننى لم أعلم بمرضك ولا بعلاجك بمستشفى الجمعية الخيرية، وقد اعتدت أن تحدثنى تليفونيا فى مثل هذه المناسبات لكنك لم تفعل، قد تكون أخطرت أحدا فى « دار الهلال» ولكن لم يصلنى أى خبر، وأكرر الرجاء بأن تصدقنى، ورغم ذلك فإنى أعتذر..

قرأت عتابك القاسى فى «آخر ساعة» وأهنئك بذاكرتك الحادة وأنت معروف بها، فذكرت أنك زرتنى منذ أكثر من ربع قرن، وعلى وجه التحديد 26 عاما حينما كنت أجرى عملية «الشبكية» فى مستشفى المرحوم صبحى باشا، وكان يجب أن أرد الزيارة بعد ربع قرن !، ولكن حدث بعد ذلك أننى أجريت 20 عملية خطيرة فى أمريكا وأوروبا وظللت طريح الفراش فى كل مستشفيات القاهرة تسعة شهور فى سنة 1965، ولم أظفر بزيارة واحدة منك..

إن صداقتنا وزمالتنا عمرت 58 عاما، وإنى أعتز بها ولا أقصر فى مجاملة أعز صديق، وأعز زميل، داعيا لك ولى بأن يمن الله علينا بالصحة والعافية ما شاء الله أن يمتد بنا العمر. 

فكرى أباظة 

مؤلف نشيد النادى الأهلى

عرف الكاتب الصحفى الكبير فكرى باشا أباظة بتعصبه الشديد للنادى الأهلى الذى لعب كرة القدم والتنس بين صفوفه واعتزازا بقامته وقيمته اختارته إدارة النادى رئيسا شرفيا للنادى مدى الحياة، وكان يتفاخر ويتباهى فى كتاباته بانتمائه وتعصبه لـ «الأهلى»، وكتب ذات مرة يقول : «بعد 53 سنة من إنشاء النادى أعيد وأقول، النادى الأهلى هو أبو النوادى بلا منازع، أبو النوادى بتاريخه وأمجاده وأعضائه وجمهوره، والممول الأكبر للنادى هو الشعب وشعبية النادى تكاد تكون معجزة غير مفهومة لكنها من عند الله، ونشر كلمات نشيد «الأهلى» الذى قام بتأليفه تعبيرا عن حبه للنادى، وأسند تلحينه للموسيقار محمود الشريف، وتقول كلمات النشيد :

«قوم يا أهلى شوف ولادك.. شوف كتايبك شوف جنودك والحشود.. شوف آيات النصر فى كل الجهود.. شوف وسجل بين أمجاد الخلود.. انت دايما، انت دايما فى الأمام.. كل نعمة فى رحابك عندنا.. دى مشيئة وإرادة ربنا.. من شيوخك اكتسبنا مجدنا.. وبشبابك احتفظنا باسمنا.. أنت دايما فى الأمام.. والرياضة دى غريزة فى طبعنا.. من زمان جرتها جرى فى دمنا.. والبطولة منبتها فى أرضنا.. اهديناها للجميع من عندنا.. لما نادانا المنادى بالفداء.. فى البحار وفى القفار وفى السماء.. استجبنا واكتسينا بالدماء.. واحتسبنا فرقة للشهداء.. انت دايما.. انت دايما فى الأمام».

 

دروس وتجارب 

بقلم: فكرى أباظة

حياتى الصحفية مراحل: بين صحفى هاوٍ غير محترف، وصحفى مراسل، وصحفى محترف، وبين محرر عادي، ورئيس تحرير المصور، ورئيس مؤسستى الأهرام ودار الهلال معًا، ثم فى «الشارع»، حين قضت اعتبارات «رياسة الدولة» إعفائى من كل مناصبى حوالى عشرة أشهر، ثم العودة بعد ذلك محررًا عاديًا ثم رئيسًا للتحرير، ثم رئيسًا لمؤسسة دار الهلال، ثم العودة إلى محرر عادى فى نفس الدار، وفى كل مرحلة منها بين الهواية والاحتراف، والصعود والهبوط والطرد، دروس وتجارب لعل الصحفى الناشئ أو الصحفى الزميل، أو الصحفى الرئيس يستفيد منها، لأن الصحافة كما قيل هى «مهنة المتاعب» والتقلبات السياسية فى الداخل والخارج، والدروس هنا متناقضة، ففى عهود الرقابة من 1914 إلى 1971 لم يكن الصحفى هو صاحب قلمه وإنما كانت الرقابة بين الحذف والإضافة مساهمة فى التحرير، إلى أن تحرر القلم فى «ثورة التصحيح» مع الالتزام بالمبادئ العديدة التى لا يجوز أن تكون محل نقد أو معارضة.

أول درس ألح عليه، أن يتفرغ الصحفى لمهنته فقط، فأنا مثلًا كنت صحفيًا أراسل الأهرام، والمصور، وأنا محامٍ مقيم فى الزقازيق، والمحاماة كانت تشغلنى عن الصحافة التى لم أتفرغ لها، كنت أجمع بين الصحافة والمحاماة، ثم كنت نائبًا أمثل الأمة، فجمعت بين الصحافة والمحاماة والنيابة عن الأمة، وأنصح أن يتفرغ المشتغل بالصحافة إلى جريدته. 

فى عالم النقد والتوجيه، والحملات الصحفية، لا ينجح الأسلوب الصارخ، فرق أن تطعن بغير تحفظ، وبين أن تنتقد وتوجه بالمنطق السليم واللفظ المهذب، وحذارٍ إذا كنت محررًا، أو مدير تحرير، أو رئيس تحرير، أو رئيس مؤسسة صحفية أن تنشر كل ما يكتب بغير مراجعة، وبغير أن تسترشد بفتاوى رجال القانون فيما إذا كان نقدك يعاقب عليه القانون فى مواده الصحفية، وتورط شخصك وصحيفتك إلى المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية، ويجب أن يكون هناك من رجال القانون، من يرجع إليه قبل النشر! 

ومراجعة «البروفات» عمل هام وضروري، وقد وقعت فى أكثر من خطأ، وقدمت إلى محكمة الجنايات، والمحاكم المدنية، مهددًا بالحبس والغرامة والتعويض خمس عشرة مرة، رغم أنى كنت من المراجعين للبروفات قبل النشر، ولى مع الملك فؤاد، والملك فاروق وقائع صودر بسببها «المصور» وحقق معى عن تهمة العيب فى الذات الملكية، لكنى استطعت بعد إيضاح واعتذار أن أنجو من المحاكمة، وقصتى مع المرحوم الزعيم الخالد جمال عبد الناصر والتى صدر قراره فيها بإعفائى من جميع مناصبى، قصة تؤيد هذا التحذير لزملائى، برفع النظر عما إذا كان ذلك العقاب متسرعًا، أو غير متسرع، ولكن المسئول الأكبر عن هذه الدولة والأمة له اعتبارات وملابسات، وأسباب قد تبرر تصرفه، ولكن عندما توجه بقصد أو بغير قصد، ما يمس الرياسة، فيجب أن نتوقع العقاب وسواء كان القلم محررًا، أو مراقبًا، أو مقيدًا، فهناك اعتبارات تستطيع الحكومة أن تتسلل منها إلى الحساب والعقاب، وكان أنطون باشا الجميل رئيس التحرير يراجع بروفات المحررين، وبروفات «الإعلانات»، فقد يكون فيها ما يعرض الجريدة للعقاب، والتعويض المدنى، وكنت أبدى دهشتى من عنايته بذلك حتى وقعت فى المحظور، فقد كان «الشبراويشي» صاحب أكبر مصنع للعطور يعلن فى «المصور» بمبالغ كبيرة، وأبلغه أحدهم أن مقالًا سينشر وخلاصته أن بعض الشباب يتناولون «الكولونيات» بدلًا من الخمر، فوجه إلينا إنذارًا بالتعويض، وفى جعبتى دروس عديدة، لكن «الإيجاز» فى نظرى هو أعلى مراتب البلاغة.

«الهلال» يوليو 1977

 

اللغة هى المرآة التى ينعكس فيها تفكير الإنسان.. وبدونها لا يمكن له أن يفكر ويعبر بصدق عن نفسه.