طباع المصريين فى رحلة العائلة المقدسة

أيقونة بالكنيسة المعلقة فى مصر القديمة رسم إبراهيم الناسخ ويوحنا الأرمنى  (من القرن 17 / 18)
أيقونة بالكنيسة المعلقة فى مصر القديمة رسم إبراهيم الناسخ ويوحنا الأرمنى (من القرن 17 / 18)


أحمد إبراهيم الشريف

غاب القمر واختفت آخر نجمة، وأمسك يوسف النجار بمقود «حماره» وساعد السيدة مريم على امتطائه وهى تحمل طفلها، واستعانا بظلمة الليل، وانطلقا، فى رحلة طويلة من بيت لحم إلى مصر.

أقول دائمًا إننا لو أحصينا حوادث الزمان من حيث أهميتها لمصر فإن رحلة العائلة المقدسة ستحتل مكانة مهمة فى ذلك الإحصاء، فقد أضافت إلى مكانة مصر، ومنحت شعبها بركة، وأكدت أن هذا البلد كان له فى العالم القديم دور مركزى، وأن شعبه كانت له رؤية فى كل ما يحدث حوله.

جاءت العائلة المقدسة إلى مصر من أجل غرض واحد هو البحث عن الأمان، لقد كان الخوف يطاردهم والملك وجنوده يبحثون عن الطفل «المعجزة» الذى يهدد الملك، تقول لنا الروايات الدينية والتاريخية إن الملك هيرودس الكبير كان يخشى من المسيح القادم لأنه سيغير كل شىء، ومن رأيى أن الملك أكثر ما كان يخشاه هو سقوط ملكه، فالحكماء الهندوس الذين جاءوا بحثًا عن ميلاد الطفل قالوا للملك عندما سألهم عن غايتهم «إنهم جاءوا ليشهدوا مولد ملك اليهود»، وهذه جملة مخيفة فعلًا لأى ملك، أن تقول له إن هناك ملكًا جديدًا «يولد هذه الأيام» لأن النتيجة التى لا تحتاج أن يقولها أحد «أن حكمك سينتهى أيها الملك الحالى»، هذه النبوءة هى التى أشعلت النار فى نفس الملك هيرودس، فراح يبحث عن ذلك الطفل كى يقتله.

مبارك شعبى مصر
فى كتابى «رحلة الخير.. العائلة المقدسة فى مصر» والذى صدر عن المركز القومى للترجمة، تتبَّعت رحلة العائلة المقدسة منذ خروجها، وتوقفت عند كل الأماكن التى مرت بها فى مصر (الفرما - تل بسطا - مسطرد - بلبيس - سمنود - سخا – وادى النطرون – المطرية وعين شمس – كنيسة أبى سرجة – جبل الطير – دير المحرق) لكن اليوم سأتأمل الرحلة من وجهة نظر أخرى تتعلق بالشعب المصرى وطبيعته، وسنتوقف عند موضعين فى الرحلة كان التعامل مع الناس فيهما مباشرا وواضحا.

ويمكن التوقف عند بعض سمات الشعب المستخلصة من الرحلة:

حافظ للجميل
أول الأماكن التى استقرت بها العائلة المقدسة – بعض الوقت - هى «تل بسطا» دخلوا إليها صباح يوم 24 بشنس، فى البداية تعامل الناس معهم بتوجس لأنهم غرباء، لكنهم عندما جلسوا فى ظل بيت كى يستريحوا بعض الوقت، مر بهم شخص يدعى «كلوم» وكان رجلًا طيبًا، يتعاطف مع الغرباء، وقد أشفق على السيدة وطفلها ويوسف النجار من وجودهم فى الطريق، فدعاهم إلى بيته، ولكنه أخبرهم أن زوجته مريضة منذ ثلاثة أشهر، وقد تفهمت العائلة ذلك وشكرت لـ«كلوم» أنه اهتم بهم وأدخلهم بيته.

وعندما دخلت العائلة إلى بيت «كلوم» كانت زوجته طريحة الفراش، لا يتحرك فيها سوى عينين حزينتين، تدوران فى محجريهما بحثًا عن مساعدة، وكانت تعانى من شدة الألم، وقد نظرت إليها السيدة العذراء بشفقة، لكن عينى المرأة المريضة استقرتا على وجه الطفل الصغير، الذى نظر إليها أيضًا، وعلى صغر سنه، كانت نظرته إلى المريضة ثاقبة وحنونة فى الوقت نفسه، ثم حدثت المعجزة.

تحركت المرأة من مكانها الذى لم تغادره منذ زمن، وقامت مرحبة بالعائلة، وذهبت لتخدمهم وتقدم لهم طعامًا، بينما زوجها «كلوم» ينظر إليها فى تعجب، وهو غير قادر على فهم ما حدث، لكنه شعر بأن هذه العائلة الطيبة لها فضل كبير فى شفاء زوجته، التى برأت تمامًا كأنها لم تكن منذ دقائق طريحة الفراش تنتظر الموت.

أراد «كلوم» أن يرد الجميل إلى العائلة المقدسة، فأخذهم ليروا الاحتفال بالإله باست (القطة)، لكن بمجرد أن دخلت العائلة المقدسة إلى المعبد، حدثت معجزة جديدة.

لا يقبل إهانة مقدساته
دخلت العائلة إلى الاحتفال - يقال إن مئات الناس كانوا يأتون إليه من كل البلاد - وعندما نظر الطفل إلى التماثيل التى تملأ المعبد سقطت التماثيل المصنوعة من الجرانيت وتهشمت، وانزعج الناس المتجمعون من أجل الاحتفال الدينى.

ولم يمض الوقت حتى انتشر الخبر، وذلك لأهمية المعبد عند المصريين، وتوجهت العيون نحو العائلة المقدسة بوصفها العائلة الغريبة الموجودة فى الاحتفال، وبينما كان عدد من الجنود قادمين نحوهم ليلقوا القبض عليهم، أخذ «كلوم» العائلة المقدسة وفرَّ بها فى شوارع المدينة الخلفية، حتى وصلوا إلى سورها الخارجى، وطلب منهم مغادرة المدينة كى ينجوا بأنفسهم.

أمسك «كلوم» بيد الطفل الصغير وقبلها، وظل يلوح ليوسف النجار والسيدة مريم حتى اختفيا فى البعيد. 

تكشف هذه القصة بما لا يدع مجالا للشك كيف أن شخصا مثل «كلوم» من الممكن أن يتعرض للأذى بعد هروب العائلة من تل بسطا، لكنه فعل ذلك بإيمان شديد بأن هذه الأسرة ساعدته فلن يتخلى عنها. 

ومع ذلك تكشف القصة كيف أن المصريين لا يقبلون بسهولة أن يقترب أحد من تدينهم وأن يهين معبوداتهم أو يقلل منها، ولعل ذلك يكشف لنا جانبا من طريقة تفكير المجتمع المصرى.

يحب المساعدة ويتضامن مع الضعفاء
نحن نقفز على مراحل كثيرة فى الرحلة، لكننا نتوقف عند القصص التى يظهر فيها الشعب المصرى، ومن ذلك أن العائلة تحركت من منطقة المطرية وعين شمس وسارت متجهة ناحية مصر القديمة، وارتاحت فترة بالزيتون وهى فى طريقها إلى مصر القديمة، بالطبع كل هذه المسميات للمناطق نقولها حسبما نعرفها الآن.

ومرت فى طريقها إلى مصر القديمة بحقول وزروع، وجلست العائلة تستريح بالقرب من فلاح مصرى يزرع حقله ببذور البطيخ، فرحب الرجل بهم وسقاهم من البئر التى يروى منها حقله، وأثناء استراحتهم فى المكان، قالت السيدة العذراء مريم للفلاح: 

هل تعلم أيها الرجل أننا هاربون من وجه الملك هيرودس لأنه يريد قتل هذا الطفل البرىء؟
 فتأثر الرجل من كلامها ورق قلبه للطفل.

فقالت له: ستحدث معجزة وأعجوبة فى حقلك هذا ستراها باكرًا عندما ترجع لحقلك هذا، وفى الغد سيمر عليك رجال يسألونك عنا ويذكرون لك أوصافنا قل لهم إن العائلة بهذه الأوصاف قد مرت علىَّ لما كنت أضع بذور البطيخ فى الأرض!

وانصرفت العائلة المقدسة إلى منطقة مصر القديمة واختبأت فى المغارة الموجودة الآن بكنيسة أبو سرجة، وانصرف الفلاح إلى بيته بعد أن ودعهم بسلام.


وفى الغد رجع الفلاح إلى حقله فوجد البطيخ الذى زرعه بالأمس بطيخًا كبيرًا وكثيرًا وجيدًا كما أخبرته العذراء أنه ستحدث فى حقله معجزة وقد رآها الآن بعينيه فجلس متفكرًا فى هذا الأمر.

وبعد ساعات قليلة وصل الرجال المرسلون من هيرودس للقبض على العائلة المقدسة وسألوا الرجل عن العائلة المقدسة وأدلوا بأوصافها فقال لهم الفلاح: إن عائلة بهذه الأوصاف مرَّت علىَّ لما كنت أضع بذور البطيخ فى الأرض، فلما سمع الرجال كلام الفلاح ونظروا إلى البطيخ حزنوا وقالوا إذن مرت فى هذا المكان منذ ثلاثة أو أربعة أشهر وهكذا رجعوا خائبين ونجت العائلة المقدسة من أيديهم.

أحب أن أتأمل شخصية الفلاح المصرى الذى كان يزرع البطيخ، كيف أنه تعاطف مع العائلة بسرعة، وبصورة تذكرنا بأهلنا فى قرى مصر حتى الآن الذين يستضيفون الغرباء، فيطعمونهم ويحمونهم ويساعدونهم بشتى الطرق.

هذان موقفان من مواقف كثيرة يمكن قراءتها وتأملها بما يكشف لنا جانبا كبيرا من المجتمع المصرى قديما، وكيف كان المصريون يعيشون وكيف يتعاملون، أى أن الرحلة بمثابة أدلة ثقافية تستحق التوقف والقراءة.