سوريا.. مائة عام على «الاستقرار الهش»

قوات تحرير الشام تسعى لعودة الاستقرار في مدينة حمص
قوات تحرير الشام تسعى لعودة الاستقرار في مدينة حمص


قد يكون من قبل المصادفات التاريخية، أن تحل مناسبة مرور مائة عام على اللبنة الأولى فى قيام الدولة السورية، مع أحد أهم أكبر المتغيرات التى تفرض تحديات غير مسبوقة عليها، لدرجة أن وحدة سوريا نفسها على المحك، بعد سقوط نظام بشار الأسد فى الثامن من ديسمبر الماضى، ففى الخامس من ديسمبر عام ١٩٢٤ تم التوقيع على مرسوم إعلان الدولة فى سوريا، من اتحاد دولتى دمشق ودولة حلب، ليبدأ العمل به منذ أول يناير من عام ١٩٢٥، بعد أن أقر مؤتمر سان ريمو فى ١٩٢٠ تقسم سوريا لعشرة كيانات، تم وضعها تحت الانتداب، إلا أنها اتحدت مابين عامى ١٩٢٢ وحتى ١٩٢٤.

ومع استقبال سوريا أول أيام مئويتها الثانية، يجد السوريون أنفسهم فى المربع رقم واحد يواجهون نفس الأسئلة وفى مواجهة تحديات قد تكون مختلفة ولكنها فى الأهم أشد وأصعب؟ خاصة أن الرصد الأمين للمائة عام السابقة من السهل أن نكتشف أنها عاشت حالة من الاستقرار الهش، ومنها البحث عن آلية تعامل مع هذا التنوع العرقى والدينى، فهناك أغلبية سنية فى المحافظات الرئيسية، مثل دمشق وحمص وحماة وغيرها، علويين فى بعض مناطق الساحل والمناطق الداخلية، وهناك الدروز فى جبل الشيخ بالسويداء والجولان.

مع عرقيات أخرى مثل الاشوريين والسريان والأرمن، ناهيك عن الأكراد، وقد ساعدت فترة الأزمة الأخيرة منذ مارس ٢٠١١ على زيادة قدرتهم العسكرية، من خلال تنامى قوات سوريا الديمقراطية منذ عام ٢٠١٥ وسيطرتها على مساحات واسعة من شمال شرق سوريا، تصل إلى حوالى ربع مساحة سوريا.

ولم تهدأ الأمور فى سوريا طوال المئوية الماضية إلا قليلاً، فالاستقرار لم يكن مبنيا على أسس راسخة، تحميه من الهزات، فالشعب السورى عانى من الاحتلال الفرنسى، لتشهد البلاد ثورة ضد سياساته عام ١٩٢٧، أثمرت عن إجراء انتخابات الجمعية الدستورية بعدها بعام، وأقرت اللجنة دستورًا للبلاد عام ١٩٣٠، وتولى محمد على العابد منصب أول رئيس للجمهورية، وفى عام ١٩٣٦ تم توقيع المعاهدة الفرنسية السورية، ووصل هاشم الاتاسى لرئاسة البلاد، ولكن خرجت مظاهرات ضده، وطالبت باستقالته، وتعليق العمل بالدستور، وكذلك احتجاجات عام ١٩٤١، التى شلت البلاد خلال الحرب العالمية الثانية، والذى سيطر الحلفاء عليها، ليتم الإعلان عن استقلالها عام ١٩٤٦، ويذكر التاريخ أن سوريا هى من أدخلت مفرد «الانقلابات العسكرية» فى القاموس السياسى العربى، فبعد اضطرابات سياسية مستمرة، تدخل الجيش بزعامة حسنى الزعيم، ليتولى مقاليد الحكم فى مارس ١٩٤٩، ليتبعه انقلابان فى نفس السنة، ولم تستقر الأمور فقد شهدت سوريا منذ ذلك الوقت وحتى عام ١٩٧٠ العديد منها، لتأخذ الأمور مسارا آخر مع انقلاب حافظ الأسد وزير الدفاع فى نوفمبر من نفس العام، والذى اعتمد على أبناء الطائفة العلوية التى ينتمى إليها، ليتولوا المناصب القيادية، ناهيك عن تحكم حزب البعث، وخلال سنوات حكمه التى استمرت لثلاثين عاما نجح الأسد الأب، فى تقزيم سوريا من الحزب والطائفة، إلى حكم الأسرة حيث أعد ابنه البكر باسل الأسد لخلافته، وكان أحد قادة سلاح المظلات، ولكن مشيئة الله كانت وراء وفاته فى حادث سيارة كما قيل يناير ١٩٩٤، ليكون بشار طبيب الأنسان الذى تلقى تعليمه فى لندن هو البديل الذى تم إعداده على عجل بعد تغيير مسار حياته، وفقا لتعليمات الأب، ليلتحق على عجل بالمؤسسة العسكرية، ومع الساعات الأولى لإعلان وفاة الأسد الأب، دارت عجلة التوريث بأقصى سرعتها.

◄ اقرأ أيضًا | سليمان جودة: الاتصال الذي جرى بين وزيري خارجية مصر وسوريا خطوة دبلوماسية بالغة الأهمية

اجتماع للبرلمان السوري لم يستمر سوى ١٥ دقيقة تم تخصيصه لإدخال تعديل على الدستور تفصيلا على القادم الجديد، خفض من سن المرشح للرئاسة من أربعين عاما إلى ٣٤ عاما، مع ترقيته استثناء إلى قائد عام للجيش متجاوزا ثلاث رتب، واستمر بشار فى السلطة ٢٤ عاما عبر نظام الاستفتاءات كما حدث فى عام ٢٠٠٠، وحصل على أكثر من ٩٧ بالمائة وزادت قليلا فى استفتاء ٢٠٠٧، وبعد إقرار الانتخابات الرئاسية التعددية فاز فى انتخابات ٢٠١٤ بـ ٨٨ بالمائة، وعاد فى الانتخابات الأخيرة لتزيد لتصل إلى أكثر من ٩٥ بالمائة، واعتمد بشار فى مواجهة ثورة مارس ٢٠١١ على الدعم الكامل من روسيا وإيران وفصائل من حزب الله، واستطاع الصمود أمام الحصار الدولى والعقوبات التى فرضتها أمريكا ودول الغرب، عليه وأكثرها شهرة قانون قيصر فى ديسمبر ٢٠١٩.

وقد يفسر ذلك كله، السقوط السريع للنظام على وقع عملية ردع العدوان فى ٢٧ نوفمبر الماضى، حيث تمكنت قوات تحرير الشام بسهولة شديدة من السيطرة على مدن سورية كبرى، حتى وصلت إلى العاصمة دمشق فى اليوم الـ١٢ للمعارك، فى الثامن من ديسمبر الماضى، ليهرب بشار الأسد إلى موسكو، مع انهيار الكبير ومفاجئ للجيش السورى، وغياب ملحوظ لكل مؤسسات الدولة، وتبخر لكوادر الحزب، وحتى أفراد الطائفة العلوية، وعدم تدخل أى من القوات الأجنبية الداعمة للنظام. 

وهكذا بدأت سوريا المئوية الجديدة فى تاريخها، وسط متغيرات غير مسبوقة تحت قيادة أحمد الشرع القائد العام للإدارة السورية الجديدة، الذى نجح فى إرسال رسائل إيجابية لأطراف إقليمية ودولية، ولكن ذلك لايمنع من وجود تحديات كبيرة تواجه البلاد، ونتوقف عند بعضها: 

أولا: المخاوف من مخطط يتم العمل له بتقسيم سوريا إلى دويلات، وفق حدود الدم، وإعادة هندسة المشرق العربى، وقد تحدث عن ذلك البريطانى برنارد لويس والأمريكى رالف بيترز، وآخر الكتابات فى هذا الشأن فى الصحافة الإسرائيلية، ترى أن سوريا «دولة مصطنعة» منذ تأسيسها بعد اتفاقية سان ريمو ١٩٢٠، حيث كان من المفترض أن تكون مقسمة إلى خمس مناطق ذات حكم ذاتى، بناء على التركيبة العرقية والطائفية، وهو ماقاله الخبير العسكرى رامى سيمنى، فى مقال له فى صحيفة يديعوت أحرونوت، ولايمكن الاطمئنان إلى التصريحات العلنية، بعد الثامن من ديسمبر، والتأكيدات من جهات فاعلة فى سوريا، بالحرص على وحدتها فى تصريحات معلنة ومنها ما قاله وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف«يجب منع سوريا من التقسيم»كما أبدى وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى مخاوفه من اندلاع حرب أهليه أو طائفية جديدة وكذلك حذر من تقسيم سوريا وتحويلها إلى مركز للإرهاب، يتوافق هذا مع صعوبة فى تخلى كثير من الدول الفاعلة، عن مكاسبها فى البلاد، فى فترة بشار الأسد، حيث كانت منطقة الساحل وحمص ساحة نفوذ كامل لروسيا، بينما مناطق شرق الفرات وجنوب سوريا مناطق نفوذ أمريكية، من خلال دعم قوات سوريا الديمقراطية، وعمدها الأساسى قوات حماية الشعب، ناهيك عن حرص إيران وحزب الله، على تأمين ممر برى يبدأ من طهران مرورًا بالعراق من بغداد والموصل، ليصل إلى دمشق وبيروت، ناهيك عن انتظار تركيا لثمار ما قامت به نتيجة دعمها لجيش تحرير الشام، وقد تكون الأمور تسير باتجاه دولة فيدرالية، بمعنى منح حقوق ضخمة أكبر من الحكم الذاتى للمكونات السورية الرئيسية، مثل السنة والعلويين والمسيحيين والدروز. 

ثانيا: مشاكل تسليم الفصائل المسلحة للسلاح، والقبول بالاندماج فى جيش وطنى واحد، ومن أبرز ما ظهر خلال الأيام القليلة الماضية، من اندلاع أحداث السويداء، بعد أن منعت الفصائل الدرزية المسلحة قوات تحرير الشام من دخولها، لبسط سيادة الدولة، وقال رئيس الموحدين الدروز فى السويداء وجنوب سوريا الشيخ حكمت الهجرى، «من المبكر الحديث عن تسليم السلاح فى سوريا، ولا حديث عن ذلك إلا بعد الاتفاق على الدستور»، ونفس الأمر مازالت قوات سوريا الديمقراطية على حالها، ولا أظن أن عملية تسليم قواتها ستتم بسهولة، ناهيك عن بدء تحرك عناصر موالية للنظام، من خلال المواجهات التى شهدتها حمص نهاية الأسبوع الماضى. 

ثالثا: ضبابية الموقف خلال المرحلة الانتقالية، صحيح أن أحمد الشرع تحدث عن توقيتات تحتاج إلى تفاصيل، ومن ذلك أنها ستتم عبر ثلاث مراحل، الأولى استلام الحكومة الجديدة لمهامها، الدعوة إلى مؤتمر وطنى جامع، ليصوت على قضايا مهمة منها حل الدستور والبرلمان، الثالث تشكيل مجلس استشارى يملأ الفراغ الدستورى والبرلمانى، لحين تجهيز سوريا للانتخابات، وكشف أيضا عن أن إجراء الانتخابات يحتاج إلى ٤ سنوات، وكتابة الدستور ثلاث سنوات، وكان قد تم تحديد موعد لبدء حوار وطنى ولكنه تم تأجيل الموعد، وسيتم دعوة ما بين ٧٠ إلى ١٠٠ من كل محافظة، وممثلى لكل طوائف المجتمع، ضمن ١٢٠٠ شخصية من الداخل والخارج كأفراد، وليس ككيانات، وقد أثار ذلك تحفظ بعض فصائل المعارضة السورية فى الخارج، التى طالبت بمشاركتها ككيانات نظرا لدورها فى إسقاط النظام كما تقول، وهى عديدة ومتنوعة، ومنها الهيئة السياسية، وتجمع سوريا الثورة، والإئتلاف الوطنى، كما أن قوات سوريا الديمقراطية والمجلس الوطنى الكردى لم يحسما موقفهما من المشاركة. 

أخيرا هذه بعض التحديات المطروحة والملحة على سوريا، فى بداية المئوية الثانية، يضاف لها تحديات أخرى، مثل كيفية إعادة تكوين جيش وطنى، وصياغة العلاقة مع دول الجوار، وكذلك كلفة إعادة الإعمار.