يوميات الأخبار

نهاية 2024 : عدوية وكارتر فى يوم واحد

عبد الرحيم كمال
عبد الرحيم كمال


مطرب شعبى حاز على قدر من النجومية والجماهيرية فى السبعينيات لم يصل إليها مطرب شعبى من قبل

(جيمى كارتر) و(أحمد عدوية) كلاهما من نجوم السبعينيات، الأول رئيس أمريكا الذى زار القاهرة والتقى بالرئيس (السادات) ورئيس الوزراء الإسرائيلى (مناحم بيجن) وهندس الثلاثة معاهدة كامب ديفيد سنة ١٩٧٩، تلك السنة التى وصل فيها (أحمد عدوية) إلى قمة مجده، فقد بدأ رحلة صعوده مع بداية تولى الرئيس (السادات) للحكم، كان المصريون فى حاجة إلى تغيير كبير فى كل شيء، فى السياسة والأغانى والرياضة والاقتصاد وكل شىء، يريدون كلامًا أبسط وحياة تخرجهم من مرارة الهزيمة سنة1967ومرارة فقد الرجل الذى علقوا عليه آمالًا كبيرة (جمال عبدالناصر) الذى مات فى 28 سبتمبر 1970.
ظهر (عدوية) ذلك الشاب صاحب الملامح المصرية مُعبرًا عن المعانى والقيم الجديدة وساخراً من الحياة اليومية والتفاصيل الصغيرة، لا يُغنى عن الأطلال ولا يُرسل رسائل من تحت الماء ولا يُغنى بلغة مُرهِقة لشعب مُرهَق، القاهرة مُكدسة ومزدحمة والأمر لا يتحمل أكثر من بساطة صوت (عدوية) وموسيقى (هانى شنودة) وكلمات (حسن أبو عتمان)، لا مجال للصور الشعرية والمبالغات، بعد النكسة كل شيء على الأرض حرفيًا و(زحمة يا دنيا زحمة) و(تاهوا الحبايب)، الإيقاع يختلف ، ليس هناك براح لحبيبين يسبق ظل أحدهما الآخر كما فى أطلال (ناجى) وصوت (أم كلثوم) وألحان (السنباطي) لكن (كتير الناس كتير وأنا عاوز أوصل وأطير) كل شيء يجرى فى زحام بالناس، المشاعر والشوارع والرغبات، اللحظة صعبة والكل يحاول المرور منها وجيل بأكمله يتآكل ويُفسح الطريق لجيل آخر أكثر صدقًا وقُربًا وسخرية من الواقع، القاهرة فى حاجة لصوت (أحمد عدوية) الذى تجاوز كازينوهات الليل إلى شريط الكاسيت، لا يحتاج هنا المواطن أن يرتدى ملابسه ويذهب إلى الحفلة ويجلس ويسمع لكنه يستطيع أن يسمع فى بيته (أحمد عدوية)، لن يُفرض عليه أيضًا راديو الدولة الرسمى من يسمع ويُجبره على سماع مطربين ومطربات لا يُعبرن عنه، سيشترى هو شريط الكاسيت ويسمع (أحمد عدوية)، ذلك الكاسيت الذى اشتراه بجهده وعمره وعرقه بعد سنوات من العمل فى ليبيا والكويت، (عدوية) فى تلك اللحظة هو الصوت الأكثر تعبيرًا عن الناس فى مصر بل ارتبط صوته عند المصريين فى الخارج والداخل بمصر ارتباطًا ربما لم يحدث بتلك الحميمية من قبل، كانت العادة أن الشهرة تُصيب المطرب الشعبى ولكن بحدود وشروط، فيصل (عبدالمطلب) إلى شهرة واسعة ولكن فى نطاق محدود هو نطاق الأفلام والكباريهات والأفراح وكذلك (محمد رشدى) الذى كان مطرباً شعبيًا ولكن يغلب عليه الظهور بملابس الأفندية وهناك (محمد طه) و(متقال) و(حفنى أحمد حسن) وغيرهم ممن نالوا شهرة ولكن فى إطار لهجتهم، وحده (عدوية) الذى كسر ذلك الحاجز ونال شهرة هددت شهرة النجوم التقليديين حتى وصلت إلى (عبدالحليم حافظ) المتربع على عرش الغناء الرسمى فأصبح مشغولًا بتلك الظاهرة ومتابعًا لها ووصل به الأمر أن يُغنى له فى أحد الأماكن الخاصة ، ذاعت شهرة المطرب الشعبى (أحمد عدوية) ووصلت أوجها فى آواخر السبعينيات وصار نجمًا حقيقيًا فى سماء الشهرة مثل كل النجوم التقليديين وأكثر ليصبح أول مطرب شعبى ينال تلك الشهرة، وأثنى عليه الواعى صاحب نوبل المعجون بالمصرية (نجيب محفوظ).

وتواصل السبعينيات طريقها وينعش انتصار أكتوبر الناس، وتُعاد قناة السويس للنشاط ويبدأ طرح فكرة السلام والتحرك نحو المعاهدة ويعلو شأن (أحمد عدوية) أكثر وأكثر، لقد صار يعبر بلسانه عن حال الناس وما اعتراها من ارتباك رهيب فى المفاهيم وصك له كتاباً ـــ من أهمها (حسن أبوعتمان) ـــ وملحنين أغانى تُعبر تمامًا عن ذلك الارتباك، فكلمات أغانيه تدرجت بين الغموض أحيانًا والبساطة والذكاء والفهلوة أحيانًا أخرى فكان (السح الدح امبو) و (كركشنجى دبح كبشه) و(الكونت دى مونت كريستو) ، كل شيء فى اغانيه يُشبه تلك المرحلة، وتتلقفه أفلام السينما والمسلسلات وتزداد مهاجمة الكلاسيكيين وأصحاب المدارس القديمة والكثير ممن يقحمون الجمل المتقعرة لجعله السبب الأول والأخير فى انهيار الذوق العام ودليلًا دامغًا على تراجع القيم بينما يواصل هو طريقه ونجاحه وقدرته على التعبير عن واقع مُرتبك مُلتبس تُعاد فيه صياغة المفاهيم من جديد. 

ويأتى (جيمى كارتر) للقاهرة فى شهر مارس ١٩٧٩ وهى السنة التى تربع فيها (عدوية) على عرش الغناء الشعبى  ودخل الاتحاد السوفيتى أفغانستان وقامت الحرب الصينية الفيتنامية وعُرضت أفلام (السقا مات) و(إسكندرية ليه؟) و(إحنا بتوع الأوتوبيس) و(شفيقة ومتولي) و(خلى بالك من جيرانك) و(الشك يا حبيبى) و(لاعزاء للسيدات) ـــ لاحظ تزاحم الأفكار واختلاف المواضيع ـــ وتنقلب الأحداث سريعًا بعد  أن يستشهد الرئيس (السادات) فى أكتوبر 1981 ويُنهى (كارتر) مدة رئاسته وتتغير أذواق الناس وأحوالهم مع سنوات جديدة ونظام حكم جديد وتهل الثمانينيات بطريقة فن أخرى ويظل نجم (عدوية) بين الصعود والهبوط إلا أن يختفى فترة عن الساحة بعد حادثة يمر بها ويطل بعدها ولكن بحيوية أقل،  ولكن يظل يسكن وجدان الناس كفنان هو الأهم والأشهر فى السبعينيات، ويموت فى نفس اليوم الذى يموت فيه الرئيس الأمريكى الأسبق (جيمى كارتر) الذى يُعتبر أيضًا الرئيس الأمريكى الأشهر فى وجدان المصريين وواحد من نجوم ثلاثة صنعوا معاهدة السلام.

(عدوية) ليس مجرد صوت شعبى جميل ولكنه علامة مهمة من علامات الطرب الشعبى فى مصر، علامة تجعله حدًا فاصلًا واضحًا فى الغناء الشعبى، فيتم تقسيم الغناء الشعبى إلى فن وغناء شعبى قبل (أحمد عدوية) و غناء شعبى بعد (أحمد عدوية). 

مطرب شعبى حاز على قدر من النجومية والجماهيرية فى السبعينيات لم يصل إليها مطرب شعبى من قبل وحظى بمحبة الطبقات المتعددة، فأحبه العوام وأحبه المثقفين والفنانين الكبار، أحبه (نجيب محفوظ ) و(عبدالحليم حافظ) و (عادل إمام) وغنى أغانى وصلت إلى قلوب الجماهير بشكل ساحر، لأنه عبر عن فترة شديدة الخصوصية والارتباك عند المصريين، فترة عبرت بالمصريين من مفهوم إلى مفهوم ومن هزيمة إلى نصر إلى سلام، ومن اشتراكية إلى انفتاح، وبموته نقول وداعًا لمرحلة فنية بأكملها.