حتى الأطفال تحملوا المسئولية كانوا يشاركون فى البحث عن الجنود ثم اقتيادهم عبر دروب آمنة للذهاب إلى بيوت الإيواء الآمنة .
فجأة تحول المجتمع المصرى إلى مأتم كبير بعد صدمة النكسة فى عام 67.. ولكن هذا المجتمع سرعان ما اصطف لينهض بسرعة فى معركة الصبر والتحمل ليصنع عبورا شعبيا سبق العبور العسكرى العظيم الذى سرق الأضواء للحديث عنه.. فكيف كان العبور الشعبى الذى كان قائده وبطلته الحقيقية هى المرأة المصرية.
كنت طفلا صغيرا تجاوز السابعة قليلا بعد النكسة ولكن مازالت ذاكرتى تحمل كل تفصيلات المشهد المؤلم من المعاناة والحرمان فى الشارع والحارة المصرية.. أتذكر كيف نضبت أرفف المحلات وخلت الأسواق من أبسط السلع التى تمثل ضروريات الحياة.. فقد رفعت الدولة شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. حيث ساد اقتصاد الحرب بحيث يوجه كل قرش لإعادة بناء الجيش وتدريباته.. فأصبح الاسترداد أقرب للمنع وبالطبع اختفت كل السلع الضرورية والمهمة من الملابس والمأكل.. وأصبح على المجتمع تدبير أموره بالاكتفاء الذاتى والتصنيع المحلي.. ما زالت طوابير الزحام أمام المجمعات الاستهلاكية التى أصبحت الملاذ للحصول على السلع الضرورية بأسعار التسعيرة الرسمية والكميات مقننة بالنسبة لعدد أفراد كل أسرة.. وكان أشهر هذه الطوابير طابور الزيت ورغم صغر سنى كنت أحد رواده كنت أحمل الزجاجة الفارغة وأنتظر مع غيرى وصول الزيت فى براميل ويتم تخصيص كيلو واحد لكل أسرة بعد ساعات فى الطابور.
الأكل المصرى
انتشرت تربية الدواجن فى عشش على أسطح المنازل والشرفات، إما للحصول على بيضها ولحمها بعد أن أصبح شراء اللحوم رفاهية وأحلاما عصية التحقيق. ونتيجة لذلك تحول الأكل المصرى ليصبح فى شكله العام إلى «أورديحي» ربما لا يعرف اللحم إلا كل شهر وربما أكثر.. وتحولت كل امرأة المصرية إلى شيف يبتكر أكلات جديدة فهى لم تعد قادرة على الاكتفاء بالبصارة والعدس والمسقعة كوجبات رئيسية وإنما أصبحت الطبلية تضم وجبات لكل صنف من الخضار بأشكال مختلفة فالبطاطس تقدم يوما مطبوخة ويوما آخر مسلوقة ومهروسة أما تقديمها مقلية فكانت تقلل منها حفاظا على حصة الزيت.. أما البطل الشعبى الحقيقى للمائدة المصرية فكان الفول إما مدمسا وتارة بالصلصة أو بالزيت العادي.. ولم ينج الفول الأخضر الحرانى فكان يقدم مسلوقا أو يقطع ويقدم مطبوخا وربما يتم فرطه ويتم تقديم حباته مع الأرز تحت اسم كشرى الفول.. حتى المكرونة ظهرت بأشكال عديدة سواء بالصلصة أو محمرة وربما يضاف إليها السكر وقت جنون الطماطم.. وتتألق المرأة المصرية فى أبهى أدوارها فبجانب دورها فى المطبخ كانت أيضا مسئولة عن إعداد أبنائها رجالا فى طريقهم للتجنيد والتوجه إلى جبهات القتال كانت هذه المرأة البطلة تتحمل كل العبء وزوجها بعيد هائم باحث عن لقمة العيش.. كانت أيامنا فى المدرسة أحلى وأجمل لحظات العمل بفضل المدرسين البسطاء «الأبلة والأستاذ» وهم يزرعون داخلنا فى الفصل كل معانى الرجولة والفداء من خلال حكايات وقصص الأبطال.. أما عن دور الإذاعة المدرسية فى تثقيفنا وبناء الانتماء وزرع الولاء للوطن داخل شخصياتنا فحدث ولا حرج. انعكس تأثير المدرسة على سلوكياتنا فأصبحنا أكثر التزاما وانضباطا.. هذا الانعكاس التربوى ظهر أيضا فى ألعابنا.. فقد كنا نتجمع ونطوف الشوارع والحارات بهتافات وطنية مثل:
(حنحارب.. حنحارب إسرائيل الأرانب).. وعبد الناصر يا ابن الشجعان خد جيشك وقدم قدام).. كان الجنود صامدين على الجبهات المختلفة وفى ظهيرهم المقاومة الشعبية، حيث تشكلت اللجان الشعبية فى كل موقع ومكان يتدرب أصحابها على المقاومة الشعبية وحمل السلاح بداية من طلاب الجامعات والفنانين ليصبح الجميع جاهزا للمواجهة مع أى معركة قادمة.كل ما سبق يهون إلا ما تعرض له أبناء محافظات القناة الذين تم تهجيرهم إلى محافظات الدلتا والصعيد، نعم استقبلهم أصحاب القرى وساندوهم ولكنه الشتات يا سادة خاصة عندما تتفرق الأسرة الواحدة بين أكثر من محافظة وأصبح على كل أم وزوجة احتواء الحال القاسى من تلبية احتياجات الأسرة والمحافظة على الأولاد وحمايتهم فى شتات الغربة.. تحملت الزوجة والأم ذلك وحدها فقد كان رجل البيت هائما باحثا عن لقمة العيش.
هنا سيناء
هنا تتجسد البطولة والولاء لتمتزج وتنتج شخصية المواطن المصرى السيناوي.. كانت معاناة أبناء الوادى ترتكز على الحرمان وشظف العيش.. ولكن هنا بجانب ذلك وجد أهل سيناء أنهم فى قلب المواجهة مع جيش الاحتلال الخسيس
وأفرادها الذين تجردوا من كل معانى الحرمان من الإنسانية.. فوجئ أهل سيناء بكارثة النكسة وهم الذين قبلها بساعات كانوا يستعدون باجتياح إسرائيل وإقامة أقواس النصر فى العريش.. ولكنهم فوجئوا فى صباح ذلك اليوم المشئوم بطائرات العدو تهاجم الوحدات العسكرية المصرية فى غزة ورفح والعريش.. كانت أصوات الانفجارات تدوى ثم طائرات هذا العدو تحلق وتحوم فوق مدينتهم العريش دون اعتراض من طائراتنا التى اختفت تماما ولا حتى من أية مضادات أرضية أعقبها بعد ذلك دخول قواتهم ومحاصرة المدينة يطلبون من أهلها الاستسلام ولكن الأهالى رفضوا وقرروا المقاومة ليسطروا ملحمة بطولية على مدار عدة أيام وهم يتصدون للدبابات ومدفعية العدو بدا أبناؤنا الجنود هائمين مشردين نتيجة تخبط القيادة وفشلها كانت مجموعات الجنود الصهاينة تمسح كل مكان لتقتل من تجده من جنودنا.. وجد أهل سيناء أنفسهم أمام مسئولية إنقاذ هؤلاء الهائمين وإخفائهم فى بيوت آمنة .
دروب آمنة
حتى الأطفال تحملوا المسئولية كانوا يشاركون فى البحث عن الجنود ثم اقتيادهم عبر دروب آمنة للذهاب إلى بيوت الإيواء الآمنة.
وكان هؤلاء الأطفال أيضا يحملون الطعام والدواء وهم يمرون وسط تمركزات الصهاينة دون الاشتباه فيهم.. وبعد أن استقرت الأمور تقلدوا مهمة تهريب هؤلاء الجنود إلى الضفة الغربية للقناة عبر الدروب الوعرة ليلا أو بحرا فى قوارب الصيد ببحيرة البردويل ثم إلى البحر المتوسط.
لم تنته هذه المهمة لتبدأ مهمتهم الحقيقية ليصبحوا عيون المخابرات الحربية تنقل إليهم كل ما يجرى على أرض سيناء.
وكذا تحولت المحنة إلى منحة والهزيمة إلى نصر يوم حدث العبور العظيم.
ومنذ اليوم الأول لاحتلال الأرض بدأت الاتصالات مع المخابرات الحربية والتنسيق معها لتكوين نواة فرق المقاومة ومهاجمة قوات المحتل وكان تشكيل أول مجموعة للمقاومة فى منزل الشيخ عز الدين جبريل والد الدكتورة سهام جبريل عضو المجلس القومى للمرأة والتى كانت أصغر طفلة لا يتعدى عمرها الثامنة وقت بدء الاحتلال يتم تكليفها بأعمال نقل الطعام والأدوية للجنود فى البيوت الآمنة.

كاريكاتير:سرقة أحذية لاعبى منتخب إنجلترا ومعداتهم فى معسكر كأس العالم
د. أسامة السعيد يكتب: رحلة العمر
علاء عبد الهادى يكتب: اعتراف





