جوستين جوردان
ترجمة: بسمة ناجى
فى عام من المفاجآت الأدبية، نُشرت خلاله رواية لجابرييل جارثيا ماركيز بعد وفاته، ورواية جماعية لتشاينا مييفيل وكيانو ريفز، كان الخبر الأبرز هو صدور رواية جديدة لسالى روني. صدرت رواية إنترميزو» فى سبتمبر، وتتناول قصتها شقيقين ينعيان والدهما ويراجعان علاقاتهما ببعضهما البعض وبالنساء فى حياتيهما، وهى تأملٌ صادق للحب والجنس والحزن، مع استكشاف أحد خيوط السرد لمنظور الأخ الأصغر العصبى التوحُدي، وتدفق متضارب للوعى لدى الأخ الأكبر، تفتح الرواية مسارًا أشد خصوبة مقارنة برواية سالى السابقة «عالمنا الجميل، أين أنت!» الصادرة فى عام 2021.
دائمًا ما يشكل صدور رواية جديدة لآلان هولينهورست حدثًا أدبيًا، وفى رواية «أمسياتنا» يبدو هولينهورست فى قمة عطائه، حيث يرسم خريطة للأعراف البريطانية المتغيرة من خلال منظور دقيق يتأمل منه الطبقة والعرق والسياسة والجنس فى مذكرات ممثل نصف بُورْمى أدخلته منحة دراسية لاستكمال دراسته بمدرسة عامةٍ إلى عالم الامتيازات، إنها رواية رقيقة ورثائية ومفعمة بالتفاصيل، وتحمل استحضارا بارعا للتجربة الجنسية على مدى نصف القرن الماضي.
وبنهجٍ مختلف للرواية الاجتماعية الضخمة، قدم أندرو أوهاجان فى «طريق كالدوني» رؤية هزلية وصاخبة عن حال الشعب البريطاني، إذ تُركز الرواية على تدهور أحوال مؤرخ فنى مشهور، وتُنَقِب بخِفة عبر طبقات المجتمع اللندني، من الأرستقراطية والنخبة الثقافية مرورًا ببارونات تجار المخدرات الروس إلى الشباب مسلوبى الحقوق. بينما تقدم رواية «الاختيار» الاستفزازية للكاتب نيل موخيرجى ثلاث سرديات منفصلة، من القلق المناخى بين النخبة المتمدنة والفقر فى المناطق الريفية فى الهند، لطرح أسئلة صعبة حول العولمة والأخلاقيات الحديثة.
عودة بارزة أخرى لسارة بيري، التى تتبع فى روايتها «استنارة» أنماط الحب غير المتبادل والعجائب الكونية لمسار مذنب هيل بوب، برشاقة سردها السريع المعتادة. تؤكد رواية الأشباح غير التقليدية «أصداء»، لإيفى وايلد، الموهبة النوعية لكاتبتها. تتناول الرواية الصدمات العائلية الموجِهة والحب المرتبك. ومثلها، رواية تشارلوت وود، «نُسُك ستون يارد» التى ترشحت ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر 2024، وهى مذكرات امرأة تلجأ إلى دير، وتستكشف بسردٍ سلس الغفران والمحاسبة واليأس فى مواجهة أهوال العالم.
تقدم رواية إنجريد بيرسود «أغانى الحب الضائع لبويزى سينج» انتصارًا للصوت الآخر والسردية المغايرة، وهى رواية مأخوذة عن قصة حقيقية لرجل عصابات من ترينيداد سيطر إرهاب عصابته على المياه الواقعة بين ترينيداد وفنزويلا لعشر سنوات تقريبًا، بين عامَى 1947 و1956. فى حين تدور أحداث رواية «روزاريتا» لأنيتا ديساى حول الإرث العائلى والصدمة التاريخية، وهى أول رواية لها منذ عِقد من الزمان.
واستكمالًا لعودات الكُتاب للنشر فى 2024، صدرت رواية «مُعتَقل» لآن مايكلز، وفيها تأملات مُوجَزة للحرب والحب، تسلط الضوء على لحظات التواصل الإنساني، والتى ترشحت أيضًا ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر 2024. أما رواية «بذور مُعوجة» لكارين جينينجز فتطرح رؤية راسخة لامرأة بيضاء محطمة، تأكلها المرارة، فى جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري، وتواجه بلا خوف طبقات صعبة من الشعور بالاستحقاق والذنب الجماعي.
ونشر اثنان من أساتذة الكوميكس روايات جديدة: «أنت هنا» لديفيد نيكولز والتى تتبع قصة حب مترددة لثنائى غريب فى منتصف العمر يتسلقان المرتفعات فى منطقة ليك ديستريكت ببريطانيا، ويكافحان تحت وطأة حمولتهما العاطفية وكذلك حقائب الظهر المبللة بماء المطر.
تُوازِن الرواية بين العبث والحزن بسهولة بالغة كأنها لم تستلزم منه أى مجهود. ينسِجُ جوناثان كو فى روايته «دليل براءتي» مغامرة مرحة خيالية تحمل متعة هائلة بمحاكاة ساخرة للأحداث التى صحبت صعود ليز تراس إلى رئاسة وزراء بريطانيا واستقالتها السريعة فى غضون خمسة أيام فحسب من توليها المنصب.
فى الصيف، تابعت تافى بروديسر-أكنر أول أعمالها «فليشمان فى ورطة»، الصادرة فى عام 2019، برواية «اتفاقية لونج آيلاند» التى تتناول الثروة والصدمة العابرة للأجيال الأمريكية؛ ومن بين أفضل قراءات الشاطئ لهذا الصيف، كانت ملحمة مارينا كيمب «فِكاك»، المكتوبة بمهارة عن عائلة تعيش فى عبودية كبيرها الروائى المتسلط.
أضفت ميراندا جولاى مسحة كوميدية على روايتها (على أربع)، وهى رواية ذاتية تتناول الشكوك والرغبات فى منتصف العمر، يتبع السرد فنانة تخوض رحلة داخلية برية وغريبة لاستكشاف عمق هويتها المتغيرة. تستكشف هذه الرواية الذكية والصادقة والجريئة والغريبة النوازع الإبداعية لدى النساء وقدرتهن على التعبير عن الذات.
كان 2024 عامًا قويًا للرواية الأمريكية على جميع الأصعدة، من الواقعية الشاملة كما فى رواية «ساحة اللعب» لريتشارد باورز، التى تقدم احتفاء ملحمى بالحياة البحرية وتأمل فى التكنولوجيا وتوغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى السخرية السحرية الصارخة فى رواية بيرسيفال إيفرت «جيمس»، وهى إعادة كتابة لرواية «هكلبيرى فين» لمارك توين، ورواية الجاسوسية المذهلة «بحيرة الخَلق» لراشيل كوشنر، التى تكشف كيف تتشكل السياسة والتاريخ وأنفسنا. كنت ضمن لجنة تحكيم جائزة بوكر للرواية لهذا العام، والتى سلطت الضوء على الروايات الثلاث، لكن فى النهاية مُنحت الجائزة لرواية سامانثا هارفى الرائعة (مداريّ)، التى تتناول منظور جديد وعميق للأرض بكل جمالها وهشاشتها بقراءة حيوية فى عصر التدهور البيئى والعنف الإقليمي.
هيمنت الروايات الأيرلندية على سوق النشر فى عام 2023؛ فامتلأت أرفف المكتبات بأجزاء لاحقة قوية لروايات أيرلندية فى 2024، كرواية كولم توبين (لونج آيلاند)، ورواية رودى دويل (النساء وراء الباب)، ودونال رايان (أيها قلب، اهدأ). كما عاد تومى أورانج إلى شخصيات روايته الأولى (نجوم هائمة)، فى إطار مثير وحميمى من السرد التاريخى المؤثر لقصة عائلة أمريكية من السكان الأصليين على مدى قرنين من الزمان.
واختتمت بات باركر ثلاثية «نساء طروادة» بروايتها «عودة»، والتى تقدم إعادة نظر ثاقبة وواقعية للأسطورة اليونانية، والتى تجسد المحاسبة الدموية بين أجاممنون وكليتمنسترا.
كما نشر على سميث مشروعًا جديدًا: «هاوية»، جزءًا أول فى ثنائية، والذى يرسم من خلاله مقاومة طفلين لحالة ديستوبيا الدولة المهووسة بالمراقبة والسيطرة.
صدرت هذا العام عدة أعمال روائية أولى قوية أيضًا، كان العديد منها مليئًا بالطاقة والإبداع. ففى روايتها «النُزلاء» تقدم الشاعرة هولى بيستر نظرة جانبية إلى حالة الانتقال بين المساكن، وتستكشف فقد الجذور بتتبع امرأة تنتقل بين مساكن مستأجرة من الباطن، وفى «أبجدية الليل» تقدِم شاعرة أخرى، جويل تايلور، إبداعًا لغويًا استثنائيًا فى تتبعها لفنانى الوشم والعنف الممارَس ضد النساء.
أما «ضوء مُنهَك» للكاتبة لارا باوسون، فهو نص خارج التصنيف يمزج بين الأدب والتجربة الحياتية، يتتبع شبكات الاتصال المتوغلة فى حياتنا اليومية، لكشف الجانب المظلم لعولمة حياتنا. قدمت ريتا بولوينكل صورة طريفة للملاكمات المراهقات فى روايتها الأولى «ضربة بالرأس»، وقدمتها كبطولة فى ترتيب فصولها، بينما تُروى «قيد التكوين» لآنا فيتزجيرالد من وجهة نظر فتاة صغيرة، تكبر مع كل فصل.
وفى رواية «هنا والآن، فقط» للكاتب توم نيولاندز، تعيش مراهقة اسكتلندية فى منطقة فقيرة فى التسعينيات، وتمر الراوية التى لا تقاوم على حياة البطلة المصابة باضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة بنثرٍ مشاغب ورائع. فى رواية «صفحات البحر» للكاتبة آن هوك تُترك فتاة مع أقاربها على جزيرة فى الكاريبى بينما تبحر والدتها إلى إنجلترا للبحث عن عمل.
وتستخدم هوك منظور طفلة من جيل ويندراش وتكتب باللهجة العامية لنقل أفكارها بشكل مباشر وحَيّ. جيل ويندراش هم المهاجرون الذين وصلوا إلى بريطانيا بين عامى 1948-1971 من بلدان الحوض الكاريبي، وتعود التسمية إلى سفينة باسم «إمبراطورية ويندراش» وصلت إلى مرفأ فى مقاطعة إسيكس، شرقى إنجلترا، فى 22 يونيو 1948 وعلى متنها مهاجرين من جامايكا و ترينيداد وتوباغو وجزر أخرى لتعويض نقص اليد العاملة فى المملكة المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية.
وحملت السفينة آنذاك مئات الركاب، معظمهم من الأطفال. كما صدرت رواية «صور فى قصر الإبداع والدمار» للكاتبة هان سميث، وهى رواية ديستوبيا عن الانتقال إلى مرحلة النُضج، تستخدم الغموض لاستكشاف التضليل الإعلامى والخلاف.
تدور أحداث الرواية الأولى للكاتب سكوت بريستون، «تلال مستعارة»، فى أجواء قاتمة وسط مزارع الأغنام فى كمبريا بالغرب البريطاني، وهى رواية مذهلة وقوية، فى حين تقدم رواية «بيوت برَّية» للكاتب كولين باريت، كوميديا سوداء عن رُهاب الأماكن المغلقة والعنف فى بلدة أيرلندية صغيرة، وهى رواية لا تقل روعة عن قصصه القصيرة الشهيرة.
أما رواية «أمانة» للكاتبة يائيل فان دير وودن، فتكشف عن القمع والرغبة المثلية فى هولندا بعد حقبة النازية، وتتخذ حبكتها منعطفات حادة مبهرة بعد ثلثى الرواية.
أما رواية «العودة للمنزل» للكاتب توم لامونت فهى كوميديا لطيفة يختلط حلوها بمُرِّها عن رجلٍ من لندن يجد نفسه مسئولًا عن طفل فى الثانية من عمره، بكل طاقته المبهجة والمتطلِبة والمرهِقة. أما ابتكار وثقة الكاتب فرديا لينون فى روايته «مغامرات مجيدة»، بجلبه للعامية الأيرلندية الحديثة إلى صقلية القديمة، تجعله كاتبًا يستحق المتابعة.
ومن بين أبرز الأعمال التاريخية المنشورة لهذا العام رواية كيفن بارى «القلب شتاءً»، وتتناول قصة حُب محكوم عليها بالفشل على غرار أعمال تارانتينو تدور أحداثها ببلدة أمريكية تشتغل بالتعدين فى تسعينيات القرن التاسع عشر، ورواية كاريس ديفيز «إخلاء»، وهى رواية قصيرة ومفاجئة عن إخلاءات هايلاند باسكتلندا والوحدة وفقدان اللغة، والتى تحمل دفء وحميمية لغة الكاتبة ورؤيتها المميزة. وبالنسبة للمجموعات القصصية، تصيغ مجموعة مارك هادون «الكلاب والوحوش» الأساطير والحكايات الخرافية فى أشكال جديدة حيوية، بينما تمزج مجموعة إليزا كلارك «إنها جائعة دومًا» الكآبة والبهجة وتجمع بين أنواع أدبية مختلفة وتكسر العديد من التابوهات.
وأخيرًا، تستحق رواية أندرو ميلر «الأرض فى الشتاء» قدرا أكبر من الاهتمام، وهى تتبع حياة أسرتين صغيرتين تعيشان فى إنجلترا خلال فترة الصقيع الكبير، فى الفترة 1962-1963، حيث تمتد ظلال الجنون والحرب العالمية الثانية إلى عالم على أعتاب تغيير اجتماعى هائل. يستحضر ميلر شخصياته وأوقاتها ببراعة خفية لا ينبغى تفويتها. ربما تكون هذه أفضل أعماله حتى الآن وهو المعروف برواياته التاريخية الحادة والمُربكة مثل «صافى» و «ألمٌ مبتَكر».
صرصار عظيم!
ثلاثة وجوه
وداعًا إدجار موران.. صائد المعرفة






