يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 248 من سورة البقرة يقول: والله سبحانه وتعالى يطمئنهم بأن آية الملك لطالوت هى مجىء التابوت الذى تتلهفون عليه، وترتبط به مقدساتكم. «أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ» فكأن الاستقرار النفسى سيأتيكم مع هذا التابوت؛ لأن الإنسان حين يجد التابوت الذى نجا به نبي، وفى الأشياء التى سنعرفها فيما بعد، إن الإنسان يستروح صلته بالسماء، وهى صلة مادية تجعل النفس تستريح.
وعلى سبيل المثال تأمل مشاعرك عندما يقال لك: (هذا هو المصحف الذى كان يقرأ فيه سيدنا عثمان). إنه مصحف مثل أى مصحف آخر، ولكن ميزته أنه كان يقرأ فيه سيدنا عثمان؛ إنك تستريح نفسياً عندما تراه.
اقرأ أيضًا | خواطر الشعراوي.. اصطفاء طالوت للملك
وأيضاً حين تذهب إلى دار الخلافة فى تركيا، ويقال لك: (هذا هو السيف الذى كان يحارب به الإمام علي). فتنظر إلى السيف، وتجد أن وزنه وثقله يساوى عشرة سيوف، وتتعجب كيف كان يحمله سيدنا على كرم الله وجهه وكيف كان يحارب به.
وكذلك عندما يقال لك: (هذه شعرة من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المكحلة التى كان يكتحل بها)، لاشك أن مثل هذه المشاهد ستترك إشراقاً وطمأنينة فى نفسك. وعندما يراها إنسان به بعض الشكوك والمخاوف فإن العقيدة تستقر فى نفسه.
ومن هذا كله أقول: إن ولاة الأمر يجب ألا يعتبروا مقدسات الأشياء ضرباً من الشركيات والوثنيات، بل يجب أن يولوها عناية ورعاية ويبرزوها للناس؛ لتكون مصدر سكينة وأمن نفس للناس، وعليهم أن ينصحوا الناس بألا يفتنوا بها، ولكن عليهم أن يتركوها لتذكرنا بأمر يتصل بعقيدتنا وبنبينا. وانظر إلى حديث القرآن عن التابوت.
إن الحق سبحانه لم يقل: إن التابوت سيأتى كاملاً، ولم يقل كذلك إنه التابوت الذى وُضع فيه موسى، وإنما قال: «فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هَارُونَ» كأن آل موسى وهارون قد حافظوا على آثار أنبيائهم، وأيضا قوله تعالى: «تَحْمِلُهُ الملائكة» يؤكد لنا أنه لا شك أن الأثر الذى تحمله الملائكة لابد أن يكون شيئاً عظيماً يوجب العناية الفائقة «إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت». ونلحظ فى قوله: «أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت» إنه سبحانه قد نسب الإتيان إلى التابوت، فهل كان من ضمن العلامة أن يأتيهم التابوت وهم جالسون ينتظرون ولأن التابوت تحمله الملائكة فلن يراهم القوم لأنهم كائنات غير مرئية، فلن يراهم أحد وإنما سيرى القوم التابوت آتياً إليهم، ولذلك أسند الحق أمر المجيء للتابوت.
وهذا المشهد يخلع القلوب ويجعل أصحاب أشد القلوب قساوة يخرون سجدا ويقولون (طالوت أنت الملك، ولن نختلف عليك).
ونريد الآن أن نعرف الأشياء التى يمكن لآل موسى أن يحافظوا عليها من آثار موسى عليه السلام، والآثار التى يحافظ عليها آل هارون من هارون عليه السلام. قال بعض الناس إنها عصا موسى، وهى الأثر الذى تبقى من آل موسى، وذلك أمر معقول؛ لأنها أداة من أدوات معجزة موسى عليه السلام.
ألم تكن هى المعجزة التى انقلبت حية تسعى وابتلعت بسرعة ما صنعه السحرة؟ إن مثل هذه الأداة المعجزة لا يمكن أن يهملها موسى، أو يهملها المؤمنون به بعد ما حدث منها. وليس من المعقول أن يفرط آل موسى فى عصا تكلم الله فيها وقال: «وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا» «طه: 17-18». إن هناك قصة طويلة استغرقها الحديث عن هذه العصا، فكيف يفرط فيها موسى وقومه بسهولة؟ لاشك أنهم حافظوا عليها، وقدسوها، وجعلوها من أمجادهم.
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع
لماذا أعاد المنشاوى تسجيل ختمته المرتلة؟







