الأبناء يكشفون مآثر الآباء فى ذكرى الرحيل :«الحصرى» و«عبد الباسط» عملاقان فى دولة التلاوة

القارئ ياسر عبد الباسط عبد الصمد: صــوت والــدي أدهــش الـعـالــم

محمود خليل الحصرى وعبد الباسط عبد الصمد
محمود خليل الحصرى وعبد الباسط عبد الصمد


حسام بركات

اثنان من أعلام دولة قراءة القرآن الكريم فى مصر الشيخان: محمود خليل الحصرى وعبد الباسط عبد الصمد، جمعهما كتاب الله وطوت شهرتهما الآفاق، كما جمعهما شهر نوفمبر الذى تصادف أن يكون رحيلهما عن الحياة فيه.. فى ذكرى وفاتهما حاورت «الأخبار» الحاجة ياسمين ابنة الشيخ الحصري، والقارئ ياسر عبد الباسط عبدالصمد وقد تحدثا عن ذكرياتهما مع والديهما.. فقد نال الشيخ عبدالباسط عبدالصمد حظا من التكريم غير مسبوق كما نال من الشهرة والمنزلة ما جعله يتربع على عرش تلاوة القرآن الكريم، لما يقرب من نصف قرن من الزمان. كما يعد الشيخ الحصرى واحدا من أشهر قارئى القرآن الكريم، وأحد أقطاب التلاوة والترتيل، ليس فى مصر وحدها، بل فى العالم الإسلامى كله، شهد له الكثيرون بأنه رتل كتاب الله وأتقن قراءاته.

اقرأ أيضًا | الستر واجب شرعى وأخلاقى : العلماء: إفشاء الأسرار تخالف مقصد الدين فى حفظ العرض

بداية ما أول أجر تلقاه الشيخ عبد الباسط من التلاوة؟
أول أجر تلقاه والدى -رحمه الله تعالى- كان عشرة جنيهات، حوالى عام 1952م، وكان يُمثل مبلغا كبيرا وقتها، وقد يكون قد تلقى قبلها أجورا بسيطة فى حفلات القرية أو غيرها، ولكنها كانت مما يتلقاه الصبيان الناجحون والمتفوقون فى حفظ القرآن الكريم، كنوع من التكريم والتحفيز على مواصلة الحفظ، وإجادة إتقان كتاب الله عز وجل؛ ثم زاد بعد ذلك الأجر بحسب شهرة الشيخ؛ لكنه مع ذلك لم يُعط مسألة الأجر أهمية كبيرة، فإخلاصه للقرآن الكريم ورغبته فى العيش فى ظله كانت هى الدافع الرئيسى لتعلقه بالقرآن الكريم.

كيف كانت علاقة الشيخ بأسرته فى ظل كثرة السفر والابتعاد عن الوطن؟
- كانت كأى علاقة بين الأب وأبنائه، كنا نخاف منه فى غيابه كأنه موجود بالضبط، بلا مبالغة، كما كان يُتابعنا لحظة بلحظة، ويحرص على توفير محفظين على أعلى مستوى من الإتقان، حيث لم يكن يتهاون فى التكاسل عن حفظ ومدارسة القرآن الكريم، مع توفير كل ما يلزمنا من أمور الأطفال واللعب والملابس، وغيرها من الأشياء التى نحتاجها؛ وصحيح أنه ظل مشغولا بالقرآن طوال أكثر من خمسين عاما، كان القرآن كل حياته، لكنه لم يقصر أبدا فى الواجبات الاجتماعية والأسرية.



هل كان يستمع الشيخ عبد الباسط إلى غيره من القراء؟
بالطبع، كان يُحب الشيخ محمد رفعت ويستمع إليه باستمرار، وكذلك كان يستمع لكل السابقين عليه من أساتذة التلاوة، وكان يستمع أيضا إلى المعاصرين له، حيث كانت تربطه علاقات صداقة ومودة مع كثير منهم، ويتبادلون التزاور وكأنهم أسرة واحدة.

كيف كان يحافظ الشيخ على جمال صوته؟
لم يكن يشرب الماء البارد أبدا، ويقول: حرمت نفسى من الماء البارد، وكذلك المأكولات الحريفة، كالشطة والأملاح الكثيرة وغيرها، ويعتمد على المشروبات الدافئة التى تفيد الحنجرة، مع التدفئة المستمرة للحنجرة حتى لا تُصاب بالبرد، وهو التزام وانضباط كان أبى -رحمه الله- مشهورا بهما.

هل كانت للشيخ طقوس معينة قبل التلاوة؟
ما لا يعرفه الناسُ أن والدى الذى أدهش العالم بطلاوةِ صوتهِ كان أبعدَ الناسِ عن الغرور، كما أنه كان يهتم بهندامه كثيرًا، حتى إذا كان لديه موعد للقراءةِ دخل فى «مود» خاص، فإنه يتوضأ ويصلى ويتغير وجهه ولا يبدأ أحدًا بالحديث بل ولا يرد على أحدٍ إلا فى الضرورة القصوى وبأقل الألفاظ، وكنا كأسرته نعلم ذلك منه ونحترمه، فإذا اتخذ جلسة القراءة وبدأ التلاوة انعزل عن الحاضرين وعن الحياة كلها واندمج فى القرآن اندماجًا تاما وكأنه اتصل بحبل السماء، وهذا موجودٌ فى التسجيلات القليلة الآن، فإذا أثنى الناس على قراءته بعد الانتهاء لا يزيد على القول بأن ذلك كان من فضل الله عليه، حيث كانت لديه قناعةٌ أن القرآن إنما هو هبةٌ من الله وحده ولا فضل لشخصه فيها.

ورثت حلاوة الصوت عن والدك.. فهل كان له دور فى تهيئتك لتصبح من قراء كتاب الله؟
يعتقد الكثيرون أن صوتى يتشابه كثيرًا مع أبى -رحمه الله- حتى إن من يستمع من بعيد يظن أن هذا تسجيل للشيخ، وقد يكون تشابها منقولا بالجينات فقط، فقد أتشابه مع أبى فى بعض طبقات الصوت مثلا، لكن الحقيقة الواضحة أن الشيخ عبد الباسط عبد الصمد كان منحة إلهية لا شبيه لها حتى من أبنائه، فهو رمزٌ إسلامى نادر التكرار، كأغلب أصدقائه المقرئين الأوائل الذين يأتون بنفحة من الله ولا يتكررون؛ كما كان كثيرا ما يجعلنى أقرأ أمام أصدقائه من كبار القراء، حتى إن الشيخ مصطفى إسماعيل كان يُطلق عليّ لقب: الحاج ياسر، لأننى حججت مع والدى ووالدتى حوالى عام 1977م، وكان معنا الشيخ أبو العينين شعيشع وزوجته.