الستر واجب شرعى وأخلاقى : العلماء: إفشاء الأسرار تخالف مقصد الدين فى حفظ العرض

د. أحمد كريمة
د. أحمد كريمة


لم يقتصر الأمر لدى البعض عند حد إفشاء أسرار حياتهم الشخصية وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي- التى أصابت الكثيرين ب الهوس المرضى فى إذاعة ونشر أى شيء- بل تعداه إلى انتهاك خصوصية غيرهم وفضح ما أمر الله بستره وهو الأمر الذى يرفضه الإسلام وإن صلحت النية عن هذا يؤكد د. أحمد كريمة، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر أن إشاعة الأسرار أو كشفها أو كشف الأمور الخاصة التى يُعيَّر بها الإنسان يحرم البوح بها تحريما «مؤكدا لا سيما ما يتعلق بأمن الوطن» إلا أن هناك أسرارا شخصية وأخرى عامة، وأن كل ما هو متفق عليه أو اقتضى العرف عدم البوح أو الكلام عنه فلا يجوز أن يتم إفشاؤه.. وشدد على أن الأسرار الأمنية أو العلمية أو العسكرية يحرم تماما على الإنسان أن ينشرها، لكونها تضر بالوطن والأمن المجتمعي، كذلك الأمر بالنسبة للأسرار الشخصية.. ويشير إلى أن منهج الإسلام هو الستر والاستتار، كما جاء بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سَتَر مسلمًا سترَهُ اللَّهُ فى الدُّنيا والآخرةِ» ويوضح أن هذا الأمر يشمل المجتمع الإنسانى بأسره وليس فقط المسلمين.

ويحذر الشيخ عويضة عثمان أمين الفتوى فى دار الإفتاء من أن إفشاء الأسرار انتشر كثيرا فى أيامنا حتى قل من يؤتمن على سر ويصونه، وكان أحد الصالحين يقول: «وكيف أسلم سرى إلى غيرى ولو أسلمت سرى إلى غيرى وأفشاه فلا ألوم عليه، إن كنت أنا لم أستطع أن أصون سرى فكيف ألوم على غيري».

اقرأ أيضًا | خواطر الإمام الشعراوي| صلاة الخوف

وينصح بعدم الإفصاح عن السر إلا لحبيب تثق فيه وإلا يحفظ سره مع نفسه، إن كان ذنبا يستغفر الله، وإن كان أمانة يسأل الله أن يعينه عليها.. ويشير إلى أن إفشاء الأسرار حرام ولا يجوز شرعا، فمن اؤتمن على سر فيجب عليه أن يصونه ولا يفضح من ائتمنه على هذا السر.. وشددت دار الإفتاء على أن احترام خصوصياتِ الآخرين واجبٌ شرعيٌ وأخلاقيٌ، ومِن مظاهر احترامِ خصوصية الآخرين، عدم نَشْر المقاطع المُصوَّرة أو المسموعة عن تفاصيل حياتهم وما يصنعونه -سواء كان هذا الصَّنيع مُبَاحًا أو لا-، فالشرع الشريف نَهَى عن نَشْر وإشاعة ما يُعيَّب به المرء؛ لأنَّ فيه تتبُّعًا للعورات.

واستشهدت الإفتاء بقول النبى -صلى الله عليه وآله وسلم-: «يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يَدخُل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتِهم، فإنَّه مَن اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومَن يتبع الله عورته يَفْضَحه فى بيته».

وأوضحت أن الشرع الشريف أمر بالستر وغض الطرف عن عثرات الناس وعيوبهم، وعدم تتبع عوراتهم، وعدم التشهير بهم؛ لئلا يكون سببًا فى نشر السوء من وجه، وسترًا وعونًا على التوبة وإصلاح النفس من وجه آخر؛ فعَنْ أبى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِى عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِى عَوْنِ أَخِيهِ» وأن «من كشف عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِى بَيْتِهِ» وقال الإمام الصنعاني: «من ستر مسلمًا اطلعَ منه على ما لا ينبغى إظهارهُ من الزلاتِ والعثراتِ، فإنه مأجور بما ذكره من سترهِ فى الدنيا والآخرة؛ فيسترهُ فى الدنيا بألَّا يأتى زلةً يَكْرَهُ اطلاعَ غيرهِ عليها، وإن أتاها لم يُطلعْ الله عليها أحدًا، وستره فى الآخرة بالمغفرة لذنوبه وعدم إظهار قبائحه وغير ذلك».

وشددت دار الإفتاء على أن الإسلام  حرص على احترام خصوصية الإنسان، وهو أمر داخل فى مقصد حفظ العرض، وهو أحد المقاصد الكبرى للشريعة، وشرع الله عزَّ وجلَّ لأجل ذلك من الأحكام والتشريعات ما يحفظ به للإنسان حقه فى الخصوصية، فى هيئته وصورته، وهذا ليس مقصورًا على أن يخترق الإنسان سترًا مسدلًا أو أن ينظر إلى عورةٍ، بل هو نهيٌ عن عموم اختراق خصوصية الآخرين بغير علمهم وبغير ضرورة لذلك.