مشهد درامى فى المحكمة l الأم تتنازل عن دم ابنها المقتول .. والجنايات تعاقب القاتل بالمؤبد

محكمة جنايات الزقازيق
محكمة جنايات الزقازيق


الشرقية‭: ‬إسلام‭ ‬عبدالخالق‭ ‬

 

 يبقى القانون رادعًا ولا يقبل التفاوض أو القسمة حين يتعلق الأمر بالقصاص، بيد أن هناك قلوبًا بين بني البشر جبلت على الرقة هكذا كانت ولادتها لكن سرعان ما تغيرت إلى القساوة؛ وهو ما دفع سيدة للوقوف أمام هيئة محكمة جنايات الزقازيق المُنعقدة في مجمع محاكم بلبيس جنوب محافظة الشرقية، لتردد بثبات أنها قد سامحت قاتل ابنها وتنازلت عن حقها، إلا أن المحكمة ارتأت أن العدل قاضِ مهما بلغت التفاصيل والأسباب، وأن القاتل عليه أن يلاقي مصيره حسبما تحكم العدالة، لتُقر خطوة جديدة من شأنها أن تؤكد على ميزان العدل والقانون فوق رقاب الجميع، وإلى التفاصيل.

قبل سنوات بعيدة رزقها الله بولد جُعل له نصيبًا كبيرًا من الحب والحنان في قلبها، ومر الزمان وكبر الولد ليُصبح شابًا وتغريه الفتوة ليُدون اسمه حينها في سجلات الإجرام الموجودة في دفاتر الشرطة، لكنها كأي أم لم تكن لتبغض وليدها أو تُبعده عن دعواتها الطيبة أن يجعل الله له نصيبًا من الهداية ويمن عليه بالرضا.

لا تزال تذكر كيف كان لابنها عددا ليس بالقليل من الأصدقاء والمعارف بحكم عمله في مهنته التي أتقنها بعدما انقطع عن الدراسة منذ سنوات؛ إذ كان «عماد» منجد افرنجي من القلائل الذين يحاولون فتح أسواق لعملهم داخل وخارج مناطقهم، لذا لم يجد بُدًا من الترحال بعيدًا عن مسقط رأسه في محافظة الجيزة حيث نشأ وتعلم، وحط الرحال هناك وسط مدينة العاشر من رمضان بحثًا عن سوق جديد لمجال مهنته التي لا يُتقن سواها.

كانت دعوتها له دومًا بالهداية ونصيحتها الدائمة: «إوعاك تاكل حق حد يا ولدي»، بيد أن «عماد» لم يعرها أي اهتمام تلك النصيحة وهو يكسرها مرةً بعد مرة، حتى أن خلافًا نشب فجأةً بينه وأحد العمال لديه في مجال عمله هناك في العاشر من رمضان، بعدما قرر الابن ألا يعطي زميله في العمل الذي جاء من محافظة كفر الشيخ أجره، ليثور الأخير ثورته ويقرر الانتقام.

أخذت الأم تحاور ضميرها كما لو كان الحديث عن الحقيقة هو الدفاع بين ضميرها الذي يرى أن صديق ابنها وزميله في مهنته لم يكن ليسفك دماءه ما لم يأكل عليه ماله وتعبه، وقلبها الذي يؤلمها كذلك بعدما انتهى المصير بفلذتها قتيلًا ولم يُعرف أنه كذلك حتى فاحت رائحة العفن من جثمانه بعد أيام على مقتله داخل المسكن الذي استأجره ليكون محلًا لعمله هناك على أطراف الحي الثاني عشر في مدينة العاشر من رمضان.

مفاجأة أمام المحكمة

شد وجذب كبير حال بها قبل أن ينتهي بها المطاف لتقف وسط قاعة المحكمة هناك في مجمع محاكم بلبيس جنوب محافظة الشرقية، وقبيل صدور الحكم على الشاب الذي أنهى حياة ابنها وتعرفه جيدًا وتعرف قصته راحت تقف وسط الجميع وترفع يدها كما لو كانت تستأذن لتسحب الاهتمام من الجميع، قبل أن يأذن لها القاضي لتبدأ في إلقاء ما ينوء به قلبها من حِملٍ ثقيل: «أنا مسامحة في حق ابني يا سعادة القاضي ومتنازلة.. أيمن موته علشان كان له فلوس عنده من حق شغله وزي ما حضرتك تشوف بقى».

ضجت القاعة بهمهمات الحضور، بيد أن ملامح القاضي وكلماته أسكتت الجميع وأعلت العدل؛ بعدما أكد على أن ما تحدثت به الأم مجرد رأي يصف ما يجيش بصدرها، هي ليس لزامًا على المحكمة أن تأخذ به، قبل أن يؤكد على أن الحكم سيصدر عقب المداولة، وما هي إلا دقائق حتى صدر الحكم بحق المتهم ليقضي ما تبقى له من حياة في غياهب السجن جزاءً عما اقترفته يداه من جُرمٍ، لتُسجل القضية واحدةً من القضايا التي لا تُنسى في جبين العدالة وحياة القصاص لأولي الألباب.

وقضت محكمة جنايات الزقازيق المُنعقدة في مجمع محاكم بلبيس في محافظة الشرقية، بمعاقبة المتهم «أيمن» بالسجن المؤبد على خلفية ما ثبت بحقه من اتهامه بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد لصديقه وزميله في العمل المجني عليه «عماد»، واقتران جريمة القتل تلك بجريمة أخرى؛ ذلك بأن المتهم في ذات الزمان والمكان قد سرق الهاتف المملوك للمجني عليه حسبما ورد تفصيليًا في حيثيات الاتهام وجاء في صدر التحقيقات.

نص الاتهام

تعود أحداث القضية رقم 1599 جنايات قسم شرطة ثالث العاشر من رمضان، المقيدة برقم 1040 كلي جنوب الزقازيق، لليلة الأربعاء من يناير مطلع العام الجاري، عندما قررت النيابة العامة إحالة المتهم «أيمن. ع» صاحب العشرين عامًا الذي يعمل في مصنع تعبئة وتغليف في مدينة العاشر من رمضان، ومحل إقامته في محافظة كفر الشيخ، إلى المحاكمة الجنائية في محكمة جنايات الزقازيق؛ على خلفية اتهامه بقتل صديقه المجني عليه «عماد حمدي أمين السيد» إثر خلافات مالية بينهما.

وجهت النيابة العامة للمتهم تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد للمجني عليه وأنه أي - المتهم - أعد لذلك الغرض سلاحًا أبيض (كتر) وتوجه إلى حيث أيقن مكان تواجد المجني عليه في مسكنه في نطاق قسم شرطة ثالث العاشر من رمضان؛ إذ تسلل إلى داخل مسكنه عبر إحدى النوافذ وما أن تقابل بالمجني عليه حتى حدثت بينهما مشادة كلامية استل المتهم على إثرها سلاحه الأبيض ونحر عنق صديقه المجني عليه حتى أزهق روحه، وتبع جريمة القتل بأن سرق هاتف المجني عليه على النحو المبين في التحقيقات.

تمكن رجال المباحث الجنائية من ضبط المتهم، وبمواجهته أرشد عن سلاح جريمته والهاتف الذي سرقه من المجني عليه عقب قتله إياه، وكذلك السترة التي كان يرتديها المتهم، والتي جرى العثور عليها كذلك ملوثةً بآثار دماء المجني عليه على النحو الوارد تفصيلًا في التحقيقات.

وأمام هيئة محكمة جنايات الزقازيق في محافظة الشرقية، نُظرت القضية لعدة جلسات قبل أن تُسدل المحكمة برئاسة المستشار نسيم علي بيومي رئيس المحكمة، وعضوية المستشار سامي زين العابدين، والمستشار شادي المهدي عبدالرحمن، والمستشار أحمد عيد سويلم، وسكرتارية يامن محمود، وهشام محمود، الستار على القضية في جلستها المنعقدة نهاية دور الانعقاد الأخير بمعاقبة المتهم بالسجن المؤبد.  

اقرأ أيضا: إحالة أوراق عاطلين لفضيله المفتى.. قتلا تاجر عقارات وسرقا مليون جنيه

;