يوميات الأخبار

مدن زائلة وأخرى مستعادة!

منصورة عز الدين
منصورة عز الدين


لا شىء أفضل من القراءة يعيننا على التعرف على ما لم نعشه والاطلاع على ما لم نعاصره.

الاثنين:

قرأت مؤخرًا خبر اكتشاف مدينة تنتمى لحضارة المايا ظلت مخفية لأكثر من ألف عام داخل غابات وأدغال ولاية كامبيتشى المكسيكية، التى لطالما أطلق عليها الأثريون لقب «البقعة الفارغة» لخلوها من الآثار.

يعود الفضل فى هذا الاكتشاف -الواعد باكتشافات أخرى مذهلة قد تغير نظرتنا إلى العالم القديم بحضاراته المندثرة- إلى تقنية «ليدار»، وهى تقنية حديثة للاستشعار عن بعد بنبضات من الضوء. أطلق علماء الآثار على هذه المدينة اسم «فاليريانا»، نسبة إلى بحيرة تقع على مقربة منها. وقالوا إنها مصممة على نمط مدن المايا الكبرى، إذ تحتوى على خزان مياه، ومعابد هرمية وساحات مغلقة يربط بينها طريق واسع.

حاولت إعادة تشييد مدينة فاليريانا المفقودة تلك فى خيالى فى ضوء ما قرأته عنها، لكن صورة أطلالها وهى مختفية داخل أدغال يصعب اختراقها كانت كل ما استقر فى عقل.

قادنى هذا إلى تأمل مفهومَى الزوال والاستعادة، والتساؤل عن الصور الذهنية المرتبطة بالمدن فى وعينا الجمعي. لطالما ارتبطت المدن بالتطور والعمران، لكنها ارتبطت بالمثل بالخطيئة والهلاك خاصة فى التراث الدينى والميثولوجى الحافل بأخبار المدن الهالكة، تلك التى ارتكب أهلها خطيئة أورثتهم الاندثار والخسوف، مثل سدوم وعمورة وإرم ذات العماد، تليها مدن كانت على وشك مواجهة المصير نفسه، لكن الرب عفا عنها فى اللحظة الأخيرة مثل نينوى، أو اكتفى بعقاب لا يصل حد الهلاك التام مثل بابل وما حدث فيها من تبلبل للألسن عقابًا على بناء أهلها برج بابل طمعًا فى بلوغ السماء. الخطيئة الأخيرة تحديدًا تبدو لى مدينية حصرًا، إذ لا يمكن تخيل ساكنى الريف أو بدو الصحراء وقد استولى عليهم طموح مماثل لأنه ابن للقدرة على البناء والتشييد وللغرور الناتج عن التقدم.

تبدو المدن الهالكة بفعل كارثة ما وتلك المندثرة نتاج تغير الزمن واضمحلالها التدريجى كأنما تخبرنا بأن الهلاك والاندثار هما مصير حتمى فى عالم موسوم بالزوال، وعلى هذا النحو تحضر المدن المفقودة، فى مخيلتنا، كطلل رمزى لا سبيل إلى محوه أو التخلص منه، فى مقابل حضور واقعى لأطلال متجسدة دالة على الحضارات القديمة.

مدينة القصب الملون

الثلاثاء:
لا شيء أفضل من القراءة يعيننا على التعرف على ما لم نعشه والاطلاع على ما لم نعاصره. ولأننى من محبى أدب الرحلات، خاصة القديم منه، فلطالما استهوتنى رؤية العالم بعيون الرحالة القدامى والمقارنة بين رؤى متنوعة موزعة على عصور مختلفة، مع الانتباه لِما اتفقوا عليه، إن وُجِد، وما اختلفوا بشأنه. يتحول الأمر أحيانًا إلى لعبة ذهنية وثقافية عابرة للأزمان، يضاعف من متعتها أن عين الغريب المتسمة بالدهشة والفضول أكثر حيوية من عين المقيم المشوَّش عليها بحجاب الاعتياد. والرحالة القديم هو الغريب بألف لام التعريف، ففى حالات كثيرة قضى بعضهم معظم سنوات حياته متنقلًا من بلد لآخر ومدونًا كل ما يراه، ومنهم من لم يعد إلى مسقط رأسه سوى بعد عقود ليراه عبر عدسة الغرابة والاختلاف كما سبق له أن رأى غيره عبر العدسة نفسها.
لكن أكثر ما يثير اهتمامى بهذه الكتب القديمة أنها تمكننى من تأمل أثر الزمن على الأماكن والبشر، ومن تتبع ما تلاشى واندثر وما ظل عصيًا على الزوال. من الفئة الأولى مدينة تنيس المصرية، وكانت مدينة وجزيرة مزدهرة وحيوية حافلة بالأسواق والحوانيت، وفق ما ورد عنها فى الكتابات القديمة. واشتهرت بصناعة النسيج، خاصة القصب الملون وأقمشة أخرى بعضها منسوج بالذهب، ولا مثيل لها فى العالم.

ظلت المدينة عامرة حتى عام 1177 حين حاصرها الصليبيون واستولوا عليها ونهبوا خيراتها ثم أحرقوها ورحلوا عنها، ثم أمر الملك الكامل محمد بن أيوب عام 1226 بهدم ما تبقى منها لمنع الصليبين من الاستيلاء عليها مجددًا والوصول للعاصمة من خلالها.

سياحة أدبية

الأربعاء:

صرح الكاتب الأيرلندى جيمس جويس يومًا أنه لو حدث واختفت مدينة دبلن من العالم، فمن الممكن إعادة تشييدها اعتمادًا على روايته الشهيرة «يوليسيس». ولا شك فى أن تصريحه ينطوى على درجة عالية من الخيلاء، لكنه يضمر أيضًا ولعًا بمدينته، انعكس فى أعماله وأضاف إليها الكثير.

اعترض البعض على مقولة جويس هذه، وكانت حجتهم فى هذا أنه لم يستفض فى روايته فى وصف طبوغرافيا دبلن ولا معالمها الجغرافية والطبيعية، لكنهم أقروا بأنه قبض على الكثير من ملامح الحياة الحضرية فيها، وقدم لمحة عن شكل الحياة فيها عام 1904، إضافة إلى تقديمه سجلًا دقيقًا للمدينة كما اختبرتها شخصياته وهى تعبر شوارعها المتقاطعة.

لكن بعيدًا عن إعادة تشييد المدينة من عدمه، فإن ما لا يمكن إنكاره أن جويس قد وضع دبلن فى موقع مميز بتاريخ الأدب العالمي، وضمن لها أن تكون من عواصم الأدب العظمى. ليس هذا فقط، بل أمدها لاحقًا بوفود من السياح يقصدونها لزيارة أماكنه فيها.

وهو أمر أحسنت أيرلندا استغلاله، ففيها اليوم جولات سياحية عديدة متمحورة حول جيمس جويس وعالمه الأدبي، يتم الترويج لها على المواقع السياحية الرسمية على شبكة الإنترنت، لاجتذاب عدد أكبر من القراء الراغبين فى اقتفاء أثر هذا الكاتب، وعادة ما تبدأ الجولة الخاصة به من أماكن طفولته، أى بالبيت الذى وُلِد فيه، مرورًا ببيوت أخرى عديدة انتقلت إليها أسرته، وبجامعته.

وهناك جولة سياحية مستقلة لتتبع مسار ليوبولد بلوم، بطل «يوليسيس»، فى المدينة، إضافة إلى زيارة مقبرة جلاسنيفين حيث دُفنت بعض شخصيات الرواية ووالد جويس.

ولم تُنسَ حانات المدينة المذكورة فى «يوليسيس» أو تلك التى اعتاد الكاتب ارتيادها فى الواقع، هذا بخلاف جولة خاصة بالأماكن الواردة فى مجموعته القصصية «أهالى دبلن». ربما لم يتخيل جويس وهو يجعل من دبلن منبع إلهامه ومحور عالمه الأدبي، أنه سوف يصبح أشهر معالمها، إن كان يمكن لإنسان أن يتحول إلى معلم من معالم مدينته.

غواية الإسكندرية

الخميس:

قبل سنوات حكت لى أستاذة للفلسفة بجامعة زيورخ أنها فى مراهقتها، وخلال زيارة سياحية مع أسرتها إلى تونس، قررت مغافلتهم والسير بمحاذاة ساحل المتوسط حتى تصل إلى الإسكندرية، مدينة أحلامها، مدفوعة فقط بعشقها لرباعية الإسكندرية للروائى البريطانى لورانس داريل.

استفاضت فى وصف غرامها بالمدينة كما قرأت عنها فى الروايات الأربع المكونة للرباعية، وكيف أنها لم تتخيل وجود مدينة فى عظمتها بالعالم كله، وما زالت حتى الآن تعتبرها أجمل مكان على الأرض. لاحظت بريق عينيها وهى تتكلم بشغف عن تلك الذكرى التى سببت لوالديها الهلع حين اكتشفا غيابها ولم يطمئنا إلّا بعد أن عثرت عليها الشرطة التونسية وأعادتها لهما. وكلما استعدت حكايتها أدرك مدى قوة تأثير الأدب وقدرته على صياغة علاقة قرائه بالأماكن، حتى وإن لم يروها رأى العين.


وعلى المنوال نفسه، تحتل الإسكندرية مكانة بارزة فى نفوس كثير من القراء، ليس فقط بسبب «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل، ولكن أيضًا لارتباطها بالشاعر اليونانى السكندرى قسطنطين كفافيس، صحيح أن تاريخها العظيم وشهرتها كأهم منارات العلم والثقافة فى العالم القديم يلعبان دورًا فى هذا، لكن معظم زوارها لأسباب أدبية يفعلون هذا لاقتفاء أثر كفافيس وداريل وغيرهما فيها.