خواطر الشعراوى.. سر إخفاء الصلاة الوسطى

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآيتين 238 و239 من سورة البقرة: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ، فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» ويوضح أن قوله تعالى: والصلاة الوسطى ذكر للخاص بعد العام، فكأن الله أمر بالمحافظة على ذلك الخاص مرتين، مرة فى دائرة العموم ومرة أخرى أفردها الله بالخصوص، وما العلة هنا فى تفرد الصلاة الوسطى بالخصوص؟ إن «وسطى» هى تأنيث «أوسط»، والأوسط والوسطى هى الأمر بين شيئين على الاعتدال، أى أن الطرفين متساويان، ولا يكون الطرفان متساويين فى العدد وهى الصلوات الخمس إلا إذا كانت الصلوات وترًا؛ أى مفردة؛ لأنها لو كانت زوجية لما عرفنا الوسطى فيها، ومادام المقصود هو وسط الخمس، فهى الصلاة الثالثة التى يسبقها صلاتان ويعقبها صلاتان، هذا إن لاحظت العدد، باعتبار ترتيب الأول والثانى والثالث والرابع والخامس.

وإذا كان الاعتبار بفريضة الصلاة فإن أول صلاة فرضها الله عز وجل هى صلاة الظهر، هذا أول فرض، وبعده العصر، فالمغرب، فالعشاء، فالفجر. فإن أخذت الوسطى بالتشريع فهى صلاة المغرب وهذا رأى يقول به كثير من العلماء.

وإن أخذت الوسطى بحسب عدد ركعات الصلاة فستجد أن هناك صلاة قوامها ركعتان هى صلاة الفجر وصلاة من أربع ركعات وهى صلاة الظهر والعصر والعشاء، وصلاة من ثلاث ركعات هى صلاة المغرب. والوسط فيها هى الصلاة الثلاثية، وهى وسط بين الزوجية والرباعية فتكون هى صلاة المغرب أيضا. وإن أخذتها بالنسبة للنهار فالصبح أول النهار والظهر بعده ثم العصر والمغرب والعشاء، فالوسطى هى العصر.

اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى | الفضل لا العدل

وإن أخذتها على أنها الوسط بين الجهرية والسرية فيحتمل أن تكون هى صلاة الصبح أو صلاة المغرب؛ لأن الصلوات السرية هى الظهر والعصر، والجهرية هى المغرب والعشاء والفجر. وبين العشاء والظهر تأتى صلاة الصبح، أو صلاة المغرب باعتبار أنها تأتى بين الظهر والعصر من ناحية، والعشاء والصبح من ناحية أخرى.

اقرأ أيضًا| خواطر الإمام الشعراوي .. وحدة التكاليف الإيمانية

وإن أخذتها لأن الملائكة تجتمع فيها فهى فى طرفى النهار والليل فذلك يعنى صلاة العصر أو صلاة الصبح. إذن، فالوسط يأتى من الاعتبار الذى تُحسب به إن كان عددًا أو تشريعًا، أو عدد ركعات، أو سرية أو جهرية أو بحسب نزول ملائكة النهار والليل، وكل اعتبار من هؤلاء له حكم.

ولماذا أخفى الله ذكرها عنا؟ نقول: أخفاها لينتبه كل منا ويعرف أن هناك فرقا بين الشيء لذاته، والشيء الذى يُبهم فى سواه؛ ليكون كل شيء هو الشيء فيؤدى ذلك إلى المحافظة على جميع الصلوات.

فما دامت الصلاة الوسطى تصلح لأن تكون الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء فذلك أدعى للمحافظة على الصلوات جميعا. فإبهام الشيء إنما جاء لإشاعة بيانه. ولذلك أبهم الله ليلة القدر للعلة نفسها وللسبب نفسه، فبدل أن تكون ليلة قدر واحدة أصبحت ليالى أقدار.

كذلك قوله تعالى: «حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى» أى على الصلوات الخمس بصفة عامة وكل صلاة تنفرد بصفة خاصة. ويريد الحق سبحانه أن نقوم لكل صلاة ونحن قانتون، والأمر الواضح هو «وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ» وأصل القنوات فى اللغة هو المداومة على الشيء، وقد حض وحث القرآن الكريم على ديمومة طاعة الله ولزوم الخشوع والخضوع، ونرى ذلك فى قول الحق الكريم: «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ الليل سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب» «الزمر: 9».

إن الحق سبحانه يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلغنا نحن المسلمين المؤمنين برسالته أن نقارن بين الذى يخشع لله فى أثناء الليل فيقضيه قائمًا وساجدًا يرجو رحمة ربه، وبين الذى يدعو ربه فى الضراء وينساه فى السراء، هل يستوى الذين يعلمون حقوق الله فيطيعوه ويوحدوه والذين لا يعلمون فيتركوا النظر والتبصر فى أدلة قدرات الله؟ إن السبيل إلى ذكر الله هو تجديد الصلة به والوقوف بين يديه مقيمين للصلاة.