يختتم الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 237 من سورة البقرة بقوله: إن كل قضية مأمور بها من الحق هى قضية إيمانية تُكَوِّنُ مع غيرها منهجا متكاملا فبعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الطلاق يقول: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ».
ثم يعود إلى الأسرة وإلى المتوفى عنها زوجها فيقول: «والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعًا إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فى أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ» البقرة: 240.
إذن فالحق سبحانه وتعالى فَصَلَ بآية: «حَافِظُواْ عَلَى الصلوات..» بين قضية واحدة هى قضية الفراق بين الزوجين وقسمها قسمين، وأدخل بينهما الحديث عن الصلاة، وذلك لينبهنا إلى وحدة التكاليف الإيمانية، ونظرا لأن الحق يتكلم هنا عن أشياء كل مظاهرها إما شقاق اختيارى بالطلاق، وإما افتراق قدرى بالوفاة، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يدخل الإنسان فى العملية التعبدية التى تصله بالله الذى شرع الطلاق والصلاة وقدر الوفاة.
ولماذا اختار الله الصلاة دون سائر العبادات لتقطع سياق الكلام عن تشريع الطلاق والفراق؟ لأن الصلاة هى التى تهب المؤمنين الاطمئنان، إن كانت أمور الزواج والطلاق حزبتهم وأهمتهم فى شقاق الاختيار فى الطلاقات التى وقعت أو عناء الافتراق بالوفاة. ولن يربط على قلوبهم إلا أن يقوموا لربهم ليؤدوا الصلاة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من يفعل ذلك، كان إذا ما حزبه أمر قام إلى الصلاة.
إن المؤمن يذهب إلى الخالق الذى أجرى له أسباب الزواج والطلاق والفراق؛ ليسأله أن يخفف عنه الهم والحزن. وما دام المؤمن قد اختار الذهاب إلى من يُجرى الأقدار فله أن يعرف أن الله الذى أجرى تلك الأقدار عليه لم يتركها بلا أحكام، بل وضع لكل أمر حكما مناسبا، وما على المؤمن إلا أن يأخذ الأمور القدرية برضا ثم يذهب إلى الله قانتا وخاشعا ومصليا لأن المسألة مسألة الطلاق أو الوفاة فيها فزع وفراق اختيار أو فراق الموت القدرى.
اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوي.. وأن تعفو أقرب للتقوى
ويأتى قوله تعالى: «حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى» فنفهم أن المقصود فى الآية هى الصلوات الخمس، فما المقصود بالصلاة الوسطى؟.
ساعة يأتى خاص وعام مثل قوله تعالى: «رَّبِّ اغفر لِى وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَارًا» نوح: 28.
فكم مرة دخل الأب والأمر هنا؟ لقد دخلا فى قوله تعالى: «اغفر لِى وَلِوَالِدَيَّ»، وفى قوله: «وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ»، وفى قوله: «وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات»، أى دخلا ثلاث مرات.
إذن فإيجاد عام بعد خاص، يعنى أن يدخل الخاص فى العام فيتكرر الأمر بالنسبة للخاص تكرارًا يناسب خصوصيته.
وقوله تعالى: «حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى» تفهم ذلك المعنى فإذا سألنا: ما معنى حافظوا؟ الجواب إذن يقتضى أن نفهم أن عندنا (حفظًا) يقابل (النسيان)، و(حفظا) يقابله (التضييع)، والاثنان يلتقيان، فالذى حفظ شيئا ونسيه فإنه قد ضيعه.
والذى حفظ مالا ثم بدده، لقد ضيعه أيضًا، إذن كلها معانٍ تلتقى فى فقد الشيء، فالحفظ معناه أن تضمن بقاء شيء كان عندك؛ فإذا ما حفظت آية فى القرآن فلابد أن تحفظها فى نفسك، ولو أنعم الله عليك بمال فلابد أن تحافظ عليه.
وقوله: «حَافِظُواْ عَلَى الصلوات» معناه لا تضيعوها. ويُحتمل أيضًا معنى آخر هو أنكم قد ذقتم حلاوة الصلاة فى القرب من معية ربكم، وذلك أجدر وأولى أن تتمسكوا بها أكثر، وذلك القول يسرى على الصلوات الخمس التى نعرفها.
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع
لماذا أعاد المنشاوى تسجيل ختمته المرتلة؟







