خواطر الشعراوي.. وأن تعفو أقرب للتقوى

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يستكمل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 237 من سورة البقرة قائلا: والحق سبحانه وتعالى يقول: «وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ» أى من قبل أن تدخلوا بهن «وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً» يعنى سميتم المهر «فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ» والمقصود بـ «يَعْفُونَ» هو الزوجة المطلقة.

إن بعض الجهلة يقولون والعياذ بالله: إن القرآن فيه لحن. وظنوا أن الصحيح فى اللغة أن يأتى القول: إلا أن يعفوا بدلا من «إِلاَّ أَن يَعْفُونَ». وهذا اللون من الجهل لا يفرق بين (واو الفعل) و(واو الجمع) إنها هنا (واو الفعل) فقول الحق: «إِلاَّ أَن يَعْفُونَ» مأخوذ من الفعل (عفا) و(يعفو).

اقرأ أيضًا | المعاصى والذنوب عورات لا يصح التفاخر بها

وهكذا نفهم أن للزوجة أن تعفو عن نصف مهرها وتتنازل عنه لزوجها. ويتابع الحق: «أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح» والمقصود به الزوج وليس الولي، لأن سياق الآية يفهم منه أن المقصود به هو الزوج، مع أن بعض المفسرين قالوا: إنه ولى الزوجة.

ولنا أن نعرف أن الولى ليس له أن يعفو فى مسألة مهر المرأة؛ لأن المهر من حق الزوجة، فهو أصل مال، وأصل رزق فى حياة الناس؛ لأنه نظير التمتع بالبضع.

ولذلك تجد بعض الناس لا يصنعون شيئاً بصداق المرأة، ويدخرونه لها بحيث إذا مرض واحد اشترت له من هذا الصداق ولو قرص اسبرين مثلا؛ لأنه علاج من رزق حلال، فقد يجعل الله فيه الشفاء.

فالمرأة تحتفظ بصداقها الحلال لمثل هذه المناسبات لتصنع به شيئا يجعل الله فيه خيراً، لأنه من رزق حلال لا غش فيه ولا تدليس.

وأرد المفسرين الذين نادوا بأن ولى الزوجة هو الذى يعفو وأقول: لماذا يأتى الله بحكم تتنازل فيه المرأة عن حقها وأن تعفو عن النصف، والرجل لا يكون أريحياً ليعفو عن النصف؟ لماذا تجعل السماء الغرم كله على المرأة؟ هل من المنطقى أن تعفو النساء أو يعفو الذى بيده عقد النكاح يعنى أولياء الزوجة، فنجعل العفو يأتى من الزوجة ومن أوليائها؛ أى من جهة واحدة؟

إن علينا أن نحسن الفهم لسياق الفضل الذى قال الله فيه: «وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ»، إن التقابل فى العفو يكون بين الاثنين، بين الرجل والمرأة، ونفهم منه المقصود بقوله تعالى: «أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح» أنه هو الزوج، فكما أن للمرأة أن تعفو عن النصف المستحق لها فللزوج أن يعفو أيضا عن النصف المستحق له.

ويقول الحق: «وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى»؛ لأن من الجائز جدا أن يظن أحد الطرفين أنه مظلوم، وإن أخذ النصف الذى يستحقه. لكن إذا لم يأخذ شيئا فذلك أقرب للتقوى وأسلم للنفوس.

ولنا أن نتذكر دائما فى مثل هذه المواقف قول الحق: «وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ» فحتى فى مقام الخلاف الذى يؤدى إلى أن يفترق رجل عن امرأة لم يدخل بها يقول الله: «وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ» أى لا تجعلوها خصومة وثأراً وأحقاداً، واعلموا أن الحق سبحانه يجعل من بعض الأشياء أسباباً مقدورة لمقدور لم نعلمه. وهذه المسألة تجعل الإنسان لا يعتقد أن أسبابه هى الفاعلة وحدها.

ومثال ذلك: قد نجد رجلا قد أعجب بواحدة رآها فتزوجها، أو واحدة أخرى رآها شاب ولم تعجبه، ثم جاء لها واحد آخر فأعجب بها، معنى ذلك أن الله عز وجل كتب لها القبول ساعة رأت الشاب أهلاً لها ورآها هى أهلاً له.

ولذلك كان الفلاحون قديماً يقولون: لا تحزن عندما يأتى واحد ليخطب ابنتك ولا تعجبه؛ لأنه مكتوب على جبهة كل فتاة: أيها الرجال عِفّوا بكسر العين وتشديد الفاء عن نساء الرجال؛ فهى ليست له، ولذلك فليس هذا الرجل من نصيبها.

وعلينا ألا نهمل أسباب القدر فى هذه الأمور؛ لأن هذا أدعى أن نحفظ النفس البشرية من الأحقاد والضغائن.ويختم الحق الآية بقوله: «إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» إنه سبحانه يعلم ما فى الصدور وما وراء كل سلوك.