يشهد العالم فى السنوات الخمس الأخيرة تغيرات نوعية غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية على المستويين الاستراتيجي والاقتصادى بسبب التغير المناخي ومتطلبات مواجهته مروراً بجائحة الكورونا وانتهاء بالحرب الروسية الأوكرانية وتوابعها.. تهدد تلك التغيرات المتلاحقة استدامة الوضع الاقتصادي العالمي الحالى وتحمل تحديات لاقتصاديات الدول والقوى الكبرى، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبى خصوصا فى مجال الطاقة، فمثلا غيرت الحرب في أوكرانيا طرق إمدادات الطاقة للقارة العجوز بشكل كبير حيث توقفت عن استيراد الغاز الروسى الرخيص نسبيا عبر خطوط الأنابيب واستبدلته بالغاز المسال الأعلى سعرا من النرويج والولايات المتحدة والشرق الأوسط، مما أثر سلبا على أسعار الطاقة ومعدلات التضخم.
في الوقت ذاته تكافح أوروبا فى وسط تلك التحديات الكبرى إلى تحقيق التزاماتها تجاه قضية التغير المناخى، وذلك بتخفيض مستوى انبعاثات الكربون بنسبة 55% بحلول عام 2030 والوصول للحياد الكربونى بحلول عام 2050، ومن هنا يأتى التوجه الكبير نحو مصادر الطاقة النظيفة، وفى مقدمتها الهيدروجين الأخضر.

◄ وسيلة لنقل وتداول الطاقة
وبينما تصنف الطاقة الشمسية، على أنها الأمل الأكبر للبشرية للتحول نحو إنتاج الطاقة بشكل نظيف وآمن بيئيا ،حيث تتفوق من حيث القدرة والانتشار والتكلفة على كافة أنواع الطاقة المتجددة الأخرى، إلا أن مشكلتها فى صعوبة نقل الكهرباء المنتجة شمسيا عبر مسافات طويلة نتيجة الفقد الكبير فى الطاقة، بالإضافة إلى أن الإنتاج يكون نهارا فقط ويتأثر سلبا بعوامل الطقس، وبالتالى لابد من تحويل الطاقة المنتجة شمسيا إلى نوع آخر يمكن نقله وتخزينه وتداوله بسهولة، وهنا يبرز الهيدروجين كوسيلة لنقل وتداول الطاقة عموما والشمسية خصوصا.. ويرمز له باللون الأخضر للإشارة لكونة منتجا من مصادر نظيفة، وينتج الهيدروجين الأخضر من خلال التحلل الكهربى للماء وهو تفاعل كهروكيميائى بسيط جدا يتم خلاله تفكيك جزيئات الماء كهربيا إلى هيدروجين وأكسجين وبعدها يستخلص الهيدروجين ،حيث يمكن نقله فى صورته الغازية عبر خطوط الأنابيب أو تسييله حيث يمكن نقله فى صوره سائلة.
ولا تتوافر حاليا تكنولوجيا لإسالة الهيدروجين نفسه على نطاق تجارى وبكميات كبيرة، ولكن هناك العديد من الشركات والمعاهد البحثية التى تعمل على تطوير تلك التكنولوجيا حاليا.. ويستخدم الهيدروجين كوقود فى محركات احتراق داخلى شبيهة بالمحركات السائدة حاليا، ولكنها تعمل بنظام الاحتراق النظيف أو من خلال خلايا الوقود لتحويل الهيدروجين إلى ماء واستعادة الطاقة الكهربائية المخزنة فيه دون أى انبعاثات مضرة بالبيئة، وهو ما يجعل الهيدروجين مناسبا كمصدر للطاقة للصناعات عالية الاستهلاك مثل صناعة الصلب، وبالتالى يمكن تقليل البصمة الكربونية لتلك الصناعات بالاعتماد على الهيدروجين.

◄ 4 أسباب للريادة المصرية
لعلك لاحظت عزيزى القارئ ذكر الطاقة الشمسية والماء وأوروبا فى الفقرة السابقة، وهو ما يضع مصر فورا فى السياق حيث تعتبر من الدول المرشحة بقوة لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر لأسواق الطاقة خصوصا السوق الأوروبى لعدة أسباب:
أولاً: يمكن لمصر إنتاج الهيدروجين بسعر رخيص جدا يصل لـ 2.7 دولار/كجم وتطمح لتخفيضه لـ 1.7 دولار/كجم بحلول عام 2050.
ثانياً: موقع مصر الجغرافى القريب نسبيا من جنوب وجنوب شرق أوروبا يؤهلها لتصدير الهيدروجين عبر خطوط الأنابيب مباشرة بدلا من تسييله أو تحويله لأمونيا.
ثالثاً: ثراء مصر بنوعين من مصادر الطاقة المتجددة هما الشمس والرياح، وهو ما يعطى المزيد من الأريحية فى استمرارية عمليات توليد الطاقة اللازمة للإنتاج.
رابعاً: ثبات مصر واستقرارها السياسى والأمنى مقارنة بدول أخرى فى شمال إفريقيا، وتخطط أوروبا لاستثمار 1.5 تريليون دولار فى إنتاج الهيدروجين وما يستلزمه ذلك من بنية تحتية داخل وخارج دول الاتحاد بحلول عام 2050 ويمكن لمصر الاستفادة من نسبة غير قليلة من هذا الاستثمار العملاق.
وتخطط مصر لإنتاج نحو 6 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنويا بحلول عام 2040 بقيمة تصل إلى نحو 90 مليار دولار، وخلال السنوات التسع الماضية بذلت الحكومة المصرية جهودا كبيرة لجذب الشركات المتخصصة فى إنتاج الهيدروجين خصوصا من خلال الحوافز الاستثمارية التى تقدمها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث نجحت بالفعل فى جذب العديد من منتجى الطاقة الإقليميين أو العالميين وفى تنفيذ عدد من المشروعات منها مصنع الهيدروجين الأخضر فى العين السخنة الذى حاز على أفضل مشروع للطاقة فى الدول النامية لعام 2023.. وتتوقع الحكومة المصرية أن تصل الاستثمارات فى مجال الهيدروجين الأخضر إلى 81 مليار دولار بحلول عام 2030.. ويعتبر الهيدروجين الأخضر فرصة تاريخية لمصر للتحول لمصدر عالمى لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة فلا نبالغ عندما نقول إن مصر يمكن أن تكون السعودية الجديدة فى مجال الطاقة الجديدة مع الوضع فى الاعتبار حاجة السوق الأوروبى للطاقة وموقع مصر منه.
■ محمود الدماصي
باحث ما بعد الدكتوراة بمركز هلمهولتز برلين للمواد والطاقة في برلين
مهرجان القطن يفتح أبوابه الشهر المقبل.. ورحمى: تسهيلات للشركات الصغيرة
الحكومة تقود قاطرة التحول نحو السيارات الكهربائية
السيارات الاقتصادية تتصدر.. والأوروبية تغيب عن قائمة المبيعات







