في طريقي إلى القرية الذكية هاجمت عقلى عشرات الأسئلة عن هذا التسارع الكبير لوسائل التحول الرقمى وسعار الانغماس في الرقمنة والوسائل التكنولوجية المتقدمة؛ ومدى حظنا منها، وموقعنا الآن من كل هذه الوسائل التى أصبحت المعيار الذي يُقاس عليه تقدم الأمم ومكانها على خريطة المستقبل؛ وفى ظل تأكيدات الرئيس السيسى الدائمة على التركيز فى هذا الجانب المعرفي؛ لأنه يفتح مجالات جديدة لعمل الشباب من ناحية، ويضعنا على تصنيف الدول المتقدمة من ناحية أخرى.. وفي هذا الحوار مع د. أحمد السداوي، وكيل شئون التعليم بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وخبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، نناقش المستقبل التكنولوجي ووسائل حماية بنوك المعرفة والوثائق المصرية؛ لنعرف أين نحن وإلى أين نتجه فى هذه الوسائل التى يلهث العالم كله للتفوق فيها والحصول عليها؛ والحقيقة أننى ذهبت إلى الحوار متشككًا خائفًا، وعُدتُ منه متفائلًا واثقًا بأننا جزء من المستقبل العالمى فى هذا الجانب المعرفى الجديد.. فإلي تفاصيل الحوار:
◄ ابتكار تطبيق جديد لـ «تدوير الهالك».. والاستفادة من «الاقتصاد الدائري»
◄ «الميتافيرس» قريبا في مصر.. وتطوير التشريعات يجذب استثمارات جديدة
◄ مبادرة «شباب رقمي» تهدف لزيادة الوعى التكنولوجى بالمجتمع
◄ التغيرات الاقتصادية العالمية أسهمت في بطء التحول الرقمي الكامل في مصر
■ في البداية.. أين موقعنا بالضبط من سباق التحول التكنولوجي الكامل في كل مرافق الدولة؟
- أريد أن أؤكد أن مصر بخير؛ وأن هناك وعيا كاملا من القيادة السياسية بأهمية التحول إلى الاستخدام التكنولوجى فى شئون الحياة؛ ولدينا فى العاصمة الإدارية استخدامات تكنولوجية على أعلى المستويات المعرفية؛ وكذلك لدينا القرية الذكية بكل ما تحمله من رؤية مستقبلية فى هذا المجال المعرفى المهم.. والحقيقة أن ذلك قد بدأ مع الوزير د. طارق كامل، وزير الاتصالات الأسبق؛ فالدولة المصرية رائدة فى هذا المجال منذ فترات طويلة؛ كما أن الرئيس السيسي فى كل أحاديثه إلى الشعب يؤكد أهمية الاتجاه إلى تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمى فى كل المجالات؛ وهو ما نراه على أرض الواقع فى التحول التكنولوجى الكامل فى معظم الوزارات؛ بل وفى الشركات الخاصة؛ حيث بدأت الدولة فى توفير البنية التحتية اللازمة لهذا التوجه المهم؛ فلم تعد هناك رفاهية التأخر عن الدول المتقدمة؛ وهذا ما تؤكده أفكار الجمهورية الجديدة دائمًا؛ ولذلك فإن المصريين يُبدعون فى كل مكان؛ ومن يذهب إلى معظم الدول العربية والأوربية يجد أن علماء التقنية المصريين هم الأساتذة فى كل مجال.. ولدينا فى الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى طلاب على درجة عالية من الجدية والابتكار فى هذا المجال؛ حتى إنهم يعملون فى كبرى الشركات العالمية؛ ولكل هذا أثق فى قدرتنا على المنافسة فى العالم التكنولوجى الجديد.
بيئة معلوماتية

■ وكيف ترى جهود الدولة لدعم هذا التوجه الضروري طوال الفترة الماضية؟
- جهد كبير بذلته الدولة فى التحول الرقمى منذ عام 2016، عندما كلف الرئيس الحكومة بتنفيذ مشروع «قواعد البيانات المتكاملة»، والذى تتبلور رؤيته فى بناء بيئة معلوماتية وتكنولوجية، قادرة على استيعاب قواعد البيانات القومية الكثيفة، والتكامل بين كل جهات الدولة، من خلال بناء منصة خدمات حديثة تخدم القطاع المدنى والحكومى بصورة متكاملة، مما يساعد على التوسع فى منظومة الشباك الواحد، وتحسين جودة البيانات وربطها بالرقم القومي، بما يمكن صانع القرار من قياس فعالية القرارات، ووضع سياسات بناء على تحليلات سابقة ومستقبلية.. واعتمد المشروع على بناء بيئة معلوماتية تكنولوجية مؤمَّنة بالكامل تكون قادرة على استيعاب قواعد البيانات القومية الكثيفة التى تتخذ من الرقم القومى للمواطن العنصر الأساسى لربطه بالدولة.
■ ما عناصر التحول الرقمي التي نحتاج إليها لنتحول إلى الإتاحة الكاملة فى هذا المجال؟
- هناك عدد من العناصر الأساسية للتحول الرقمي؛ أهمها رغبة الدولة فى التنفيذ، وهذا موجود بتميز عندنا؛ وثانيا استعداد المواطن واستجابته للتحول؛ والعنصر الثالث هو التقنيات وضرورة تواجدها؛ مثل: تقنيات ERP وقاعدة البيانات الحديثة، والتحليلات المتقدمة، والاتصال السحابي، وحلول تدريب الآلة والذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، أتمتة العمليات الآلية والروبوتية (RPA).
◄ الرقم التعريفي
■ كيف نحقق ما يُعرف برقم التعريف القومى للأفراد والعقارات والمنشآت الاقتصادية؟
- الرقم التعريفى هو الرقم المقيد فى قاعدة البيانات، ويميز الكيان به، وهذا للمواطن، ويتكون من 14 رقمًا تُرمّز فيه بعض بيانات الشخص وترتبط به منذ ميلاده ولا يتكرّر بعد وفاته؛ وكذلك للمنشأة لحظة بنائها ونشاطها وتراخيصها؛ ومنها نستطيع الاستعلام عن كيان فى لحظة، وتحديد هويته وربطه بالخدمة المطلوبة.
■ ولكن.. هل لدينا بنية تحتية تسمح بهذا التحول الكامل إلى الرقمنة؟
- مصر تعمل على رفع البنية التحتية بمختلف الطرق التى تساعد على إنشاء رقمنة بشكل جيد؛ ومن ينظر إلى كمية الحفائر لتغيير كابلات الإنترنت من نحاسية إلى فايبر يُدرك حجم المجهود الذى تبذله الدولة فى هذا المجال؛ وهو مشروع قومى استثمارى قوى لبيئة رقمية.
◄ الذكاء الاصطناعي
■ الذكاء الاصطناعي أحدث طفرة الآن.. لماذا لا نرى استخداماته فى المجتمع حتى الآن؟
- الذكاء الاصطناعى أصبح مصطلحًا شاملًا للتطبيقات التى تؤدى مهام مُعقدة؛ وكانت تتطلب فى الماضى إدخالات بشرية، مثل: التواصل مع العملاء عبر الإنترنت، وعدد من الألعاب؛ والفكرة فى محاكاة البشر تيسير العمليات والمهام للبشر.. وهو موجود بشدة فى استخدام الطلاب فى تطبيق مثل ChatGPT أو Gemini؛ وهناك عدد كبير من الشركات التى قامت بتطبيق الذكاء الاصطناعى فى المؤسسات لخدمة العملاء؛ ولكن أمامنا وقت لظهور هذه المشروعات بشكل كامل.. وللحقيقة فإن مصر تمر بمرحلة نضج فى الفكر التكنولوجى من خلال رؤية الدولة 2030 تحت توجهات الرئيس.
■ بصراحة.. هل نملك حماية كافية لبنوك المعلومات الوطنية؟
- لا يوجد مكان مؤمَّن مليون بالمئة؛ ولكن هناك درجات للتأمين؛ وللحقيقة فإن قطاع البنوك لدينا يشهد طفرة فى الخدمات الإلكترونية والرقمنة تحت فكر الشمول المالي؛ والبنك المركزى له القدرة على إدارة هذا التحول ووضع جميع البنوك الحكومية والخاصة تحت مظلة مؤمَّنة جيدًا.
■ إذن.. كيف نحمى منظوماتنا التكنولوجية من الهجمات السيبرانية؟
- الهجوم السيبراني، أو (الهجوم الإلكتروني) هو أى نوع من المناورة الهجومية التى تستهدف أنظمة معلومات الكمبيوتر أو البنية التحتية أو شبكات الكمبيوتر أو الأجهزة؛ ويشكل الهجوم السيبرانى خطرًا أمنيا على الأفراد والمؤسسات والدول؛ فقد يستعمل لسرقة البيانات والاحتيال والوصول غير القانونى إلى بيانات مالية أو طبية أو أمنية؛ أو حتى التلاعب فى أنظمة أجهزة إلكترونية عن بُعد وتوجيهها بأهداف سياسية بقصد التسبب بضرر مادي، كتفجير أجهزة عن بُعد أو تعطيل أنظمة.. ولكى نحمى نفسنا من هذا النوع من الهجمات يجب تأمين أنفسنا بعدد من الأدوات المهمة وخاصة الشركات؛ والتنشيط الدائم لبرامج مكافحة الفيروسات Antivirus Software، والاهتمام بخدمات البنية التحتية للمفاتيح العمومية PKI Services، ويجب اختبار النظام بالطرق المختلفة للاختراق، وتفعيل جدار الحماية Firewall؛ وبالنسبة للفرد العادي: عدم الدخول على روابط مجهولة، وعدم استخدام أى شبكة إنترنت مجانية غير موثوق فيها؛ والأهم عدم التصريح عن أى معلومة أو بيان خاص بي، لحساب بنكى أو غيره، لأى شخص.
رؤية رقمية
■ ولكن ألا ترى أن برامج الحماية نفسها مستوردة من الخارج.. فكيف نثق فى درجات أمانها؟
- بالفعل التكنولوجيا كلها مستوردة الخارج؛ ولكن هناك شركات ذات اسم، وصاحبة رؤية رقمية آمنة للعالم، ويفضّل اتباعها، وعدم اتباع البرامج مجهولة المصدر.
■ ما أوجه الاستفادة من نظم المعلومات الجغرافية فى تنمية موارد الدولة وتنظيم السكان؟
- نظم المعلومات الجغرافية هى تقنية تُستخدم لإنشاء جميع أنواع البيانات، وإدارتها، وتحليلها، ورسم خرائط لها؛ وتربط نظم المعلومات الجغرافية البيانات بالخريطة، وتدمج بيانات الموقع مع جميع أنواع المعلومات الوصفية؛ والحكومة أبدعت فى تطبيق هذه التكنولوجيا فى متابعة موارد الدولة، ورسم التوزيع السكانى بشكل مميز، من: رسم طرق، وتنمية المناطق النائية، ودفع عجلة التطوير السكاني، وإنهاء العشوائيات لخلق حياة كريمة للمواطن المصري؛ والفضل يرجع لهذه التكنولوجيا.
تدوير الهالك!
■ ما المقصود بالاقتصاد الدائري.. وكيف يسهم تطبيقه فى دعم الاستثمار؟
- الاقتصاد الدائرى يهدف إلى ترشيد استهلاك المواد والموارد وإعادة تدويرها، واستخدامها بكفاءة وبطرق صديقة للبيئة للتقليل من الانبعاثات الكربونية؛ وهو واحد من أهداف الاسثمار.. وللحقيقة فإنه واحد من أهم المشروعات التى أتشرف بالإشراف عليها فى الأكاديمية العربية هو ابتكار تطبيق يصل بين الشركات بعضها البعض لجعل المواد الهالكة أو الفائضة بداية لمشروع آخر؛ ومن هنا نعمل على خلق تكامل بيئى وندعم الاستثمار لاستكمال عجلة استخدام الهالك فى مجتمع نظيف.
■ هل نحتاج إلى قوانين وتشريعات جديدة لتتوافق مع المستقبل التقني؟
- للحقيقة نحن فى مراحل التطوير المستمر، والتغيير الفكرى للحياة الرقمية؛ وكذلك جذب اسثمارات تكنولوجية كبيرة إلى مصر؛ ومن ثم يجب تطوير القوانين والتشريعات حتى تواكب المستقبل الرقمي.. وظهرت التشريعات للجرائم الإلكترونية، وحقوق الملكية الرقمية، وإدارة التعاملات المالية رقميا؛ وتم نشر قانون التكنولوجيا المالية الجديد فى مصر بعنوان: «قانون تنظيم وتطوير استخدام التكنولوجيا فى الأنشطة المالية غير المصرفية» فى الجريدة الرسمية فى 8 فبراير 2022، وتم إصداره فى 14 فبراير 2022.. وهناك تكنولوجيا سنراها قريبًا جدًّا فى مصر، وهى الميتافيرس (ما وراء الكون) الهادفة لخلق عالم موازٍ يجب أن يتم الاستعداد لها بتشريعات وقوانين تتماشى مع التكنولوجيا، مثل: الإمارات والمملكة العربية السعودية.
شباب رقمي
■ كيف نعمل على زيادة الوعى بالمعرفة الرقمية بين الشباب؟
- أرجو أن تكون هناك مبادرة تحت ظل ورعاية رئيس الجمهورية تحت اسم: «شباب رقمى مصري»، وخلق شاب مثقف رقمى فى المجتمع؛ وذلك عن طريق زيادة الندوات فى النوادى ومراكز الشباب، وهذه مبادرة بالتعاون بين وزارة تكنولوجيا المعلومات ووزارة الشباب والرياضة.. وتحت هذه المبادرة من الممكن إنشاء فكرة «كارتون باسم شاب فى الميتافيرس»؛ استكمالا لمبادرة الرئيس، وتكون من قبل وزارة الثقافة عن موضوعات كرتونية وتكنولوجية؛ وكذلك حثّ دور السينما على إنشاء أفلام تظهر أهمية للمبرمج والتكنولوجيات الحديثة المؤثرة فى المجتمع المصرى لخلق مجتمع راقٍ ومثقفٍ رقمي.
■ هل تعد التكلفة المالية العالية للتحول الرقمى السبب فى بطء التنفيذ الكامل والسريع؟
- للحقيقة نعم؛ فالتكنولوجيا مكلفة جدًّا، ومتطورة، وسريعة؛ ولكن لها مردودًا وإيجابيًّا وسريعًا؛ وبصراحة التغيرات الاقتصادية التى يمر بها العالم لها جانب مؤثر على منظومة التحول الرقمى فى مصر.
◄ نقلة نوعية
■ أقامت مصر مركزًا للوثائق الإلكترونية.. كيف ترى مستقبل هذه التجربة؟
- الوثيقة الإلكترونية عبارة عن البيانات أو المعلومات التى تم جمعها وتثبيتها للتخزين ومعالجتها فى نظام آلي، وتتطلب استخدام النظام لجعلها مفهومة من قبل شخص ما؛ وتشير إلى أى مستند معاملات يتم تبادله بين الشركاء التجاريين بتنسيق وطريقة إلكترونية؛ وتعد بمثابة نقلة نوعية للتجارة الرقمية وإدارة الأعمال الرقمية فى مصر؛ وسوف تستقطب عددًا كبيرًا من المستثمرين لخلق سهولة ويسر فى التعامل.
■ ما مدى إسهام الرقمنة فى المشروعات القومية مثل التأمين الصحى الشامل وحياة كريمة؟
- التأمين الصحى الشامل واحد من أهم المشروعات القومية فى مصر؛ ويهدف إلى خلق جيل صحى سليم ومجتمع متعافٍ؛ والرقمنة سوف تسهم بشكل فعال فى نجاح المتابعة لسجل المرضي، والتشخيص للمرضى فى المحافظات الحدودية، لندرة تخصص الطبيب المتوافر هناك.. وسوف تعمل الرقمنة على إنشاء سجل للمريض بالكامل، وسوف يلعب الذكاء الاصطناعى فى التشخيص الجيد للمريض، والتنبؤ بالأمراض فى وقت مبكر.. وكل ذلك ينعكس على جعل المواطن حياته كريمة وصحية وآدامية.
برامج الميتافيرس
■ ألا ترى أن مجال الإعلام يحتاج إلى استيعاب تطبيقات الواقع الافتراضى والميتافيرس؟
- بالتأكيد؛ فالإعلام هو وجهة المجتمع المصري، ويجب أن يتعامل بكل الأساليب الرقمية الحديثة لتنمية الفكر؛ ومن ثم يجب أن تكون هناك برامج تبث من الميتافيرس، وباستخدام الواقع الافتراضى والواقع المعزز.
■ ما أبرز التجارب الدولية فى مجال الرقمنة التى يجب أن نحذو حذوها؟
- التجربة الرقمية الإماراتية تُعد تجربة مميزة ومثالًا يُحتذي، وهذا ليس بغريب على الشعب المصرى أن يأخذ بالتجارب القوية؛ كما أن المجتمع الرقمى السعودى هو الصاعد بقوة، ويتفق مع رؤية مصر المستقبلية، ومن الممكن أن نتخذ خطاه.. وهذا ما نراه فى رؤية رئيس الجمهورية لإنشاء وتوطين العلاقات القوية الوطيدة بين المجتمع الرقمى المصرى والمجتمعين الإماراتى والسعودي.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







