د.جمال العشيبى أول باحث مصرى متخصص فى «الجيوأركيولوجى»:

نستخرج من «أرشيف الطبيعة» ما يؤكد حقائق التاريخ

د.جمال العشيبى
د.جمال العشيبى


حددنا موعد بناء الهرم الأكبر من الرواسب.. وتنبأنا بسيول وادى النطرون قبل وقوعها

أسعى لكسر احتكار الأجانب للتخصص.. وأتمنى تدشين مدرسة علمية بمصر

«يمكن أن يكون حوارنا بعد الساعة الثالثة عصرًا، حتى أكون قد فرغت من عملى فى المعمل».. لم تمر هذه العبارة على مسامعى دون التوقف كثيرًا أمامها، وأنا أتفق على موعد لإجراء حوار عبر تطبيق (زووم) مع د.جمال العشيبي، الحاصل على  الدكتوراة من جامعة «إكس-مرسيليا» بفرنسا، والمدرس بقسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة عين شمس، والمتخصص فى «الجيوأركيولوجي»، إذ إن المعروف عن الجغرافيا بشكل عام، أنها علم نظري، لا يحتاج إلى معامل وتحليلات، ولكن الجديد الذى عرفته أن التخصص الذى يعمل فيه العشيبي، هو فرع عابر للتخصصات.

 ويحتاج الباحث فى «الجيوأركيولوجي» أن يكون ملمًا بمبادئ الكيمياء والبيولوجى والجيولوجيا وعلم الآثار، إلى جانب تخصصه الأساسى فى الجغرافيا، لذلك فهو أول باحث فى الجامعات المصرية يتخصص فى هذا العلم بعد مرحلة الليسانس مباشرة، ويحصل على الماجستير والدكتوراه فى هذا التخصص.
ويقول العشيبى بنبرة تغلفها الثقة: «صعوبة هذا العلم ليست فقط فى أنه فرع عابر للتخصصات، ولكن لأن العمل فيه يحتاج إلى تمويل، بدونه لن يستطيع الباحث أن يقطع خطوة واحدة.

دراسة مكلفة ماديًا

وتأتى الحاجة إلى التمويل من طبيعة هذا العلم، الذى يدرس أشكال السطح القديمة من خلال الرواسب الموجودة فى المناطق الأثرية.. ويوضح العشيبى أن «هذه الدراسة تحتاج إلى عمل ميدانى فى تلك المناطق وأجهزة حفر يتم استخدامها، لاستخراج عينات الرواسب التى توجد على أعماق لا تتجاوز الـ 15 مترًا، ثم يتم تحليل هذه الرواسب معمليًا، والتى يمكن اعتبارها بمثابة (أرشيف الطبيعة)، حيث تتضمن معلومات عن البيئة القديمة، تؤكد ما يعلمه الأثرى والمؤرخ أو تضيف جديدًا لا يتوفر لدى الاثنين».. ولفهم طبيعة هذا التخصص من خلال مثال عملي، يشير العشيبى إلى دراستهم الأخيرة، والتى أجريت فى منطقة أهرامات الجيزة، وأكدت من خلال دراسة الرواسب على حقيقة وجود فرع منقرض لنهر النيل أسموه فى دراستهم بـ «نهر خوفو»، وكان هذا الفرع ينتهى بميناء قريب من منطقة الأهرامات لنقل حجارة البناء إليها.

ويقول: «هناك دلائل أثرية على هذا الفرع، أكدتها دراسة الرواسب، وعثرنا فيها أيضًا على نسبة عالية من التلوث النحاسي، والتى تشير إلى استخدام النحاس فى تصنيع أدوات تقطيع الحجارة، وكان تاريخ هذا التلوث المعدني، يتزامن مع موعد بناء الهرم الأكبر المثبت بالأدلة الأثرية، وهو أبلغ رد على المشككين فى موعد البناء عبر نظريات تحاول تقديمه أو تأخيره لسنوات، لأغراض منها سلب هذا الإنجاز من الحضارة المصرية القديمة، ونسبته لحضارات أخرى»..

اقرأ أيضًا| لماذا ذهبت نوبل الكيمياء لتطبيقات الذكاء الاصطناعى؟

ويعتبر العشيبى أن هذه المعلومات التى تؤكدها الرواسب يمكن توظيفها فى التنشيط السياحى للمنطقة عبر تقديم معلومات متكاملة للسائح، وهذه فائدة مباشرة فى رأيه لعلم «الجيوأركيولوجي»، وهناك فائدة أخرى، تتمثل فى تعلم دروس الماضى لمواجهة تحديات الحاضر، وهى تظهر بشكل واضح فى الأبحاث التى أجراها خلال مرحلة الماجستير بمنطقة وادى النطرون.. ويوضح أنه خلال هذه الأبحاث كشف عن أن مياه بحيرات وادى النطرون لم تكن مالحة كما هو الحال حاليًا، من خلال العثور فى الرواسب على دلائل تشير إلى حبوب لقاح ترتبط بنباتات تنمو فى بيئة المياه العذبة، كما كشفت الرواسب عن حدوث سيول قديمة، وحذروا من تكرارها، وهو ما حدث قبل سنوات.

وعن قصة اتجاهه لهذا التخصص النادر، يقول: «إن عدد الباحثين المتخصصين فى «الجيوأركيولوجي» بأقسام الجغرافيا فى مصر قليل للغاية، واتجه أغلبهم لهذا المجال فى مرحلة ما بعد الدكتوراه، أما أنا فقد اتجهت إليه بعد مرحلة الليسانس مباشرة والفضل فى ذلك يرجع بعد الله لأستاذى فى الكلية الدكتور محمود عاشور، والمتخصص فى (الجيوموفولوجيا)، وهو التخصص الذى خرج من رحمه تخصص (الجيوأركيولوجي)»..

ووجه الدكتور عاشور طالبه العشيبى بالاتجاه لهذا المجال فى مرحلة الماجستير، وذلك بعد أن أطلعه على مزايا وصعوبات هذا التخصص، واستطاع بعد ذلك العمل مع بعثة فرنسية تعمل فى وادى النطرون، ومن خلال العمل معهم استطاع توفير التمويل اللازم لاستخراج الرواسب وتحليلها فى فرنسا، لينتهى من رسالة الماجستير ويناقشها فى كلية الآداب جامعة عين شمس عام 2018، ثم يبدأ بعدها رحلة الحصول على منحة لدراسة الدكتوراة فى هذا التخصص غير المتداول فى أقسام الجغرافيا بكليات الآداب بالجامعات المصرية، ويوفق بعد محاولات فى الحصول على منحة بجامعة «إكس-مرسيليا»، التى حصل منها على درجة الدكتوراة فى ديسمبر 2023. 

ويعقد العشيبى العزم على الاستمرار فى إجراء المزيد من البحوث «الجيوأركيولوجية» على عدة مواقع أثرية أخرى فى مصر الغنية بتراثها الأثرى وتاريخها عبر مختلف العصور، على أن يظل على تواصل مع الجامعات الأجنبية فى مشروعات بحثية مستفيدًا من توافر التمويل المناسب للإنجاز..

ويقول: «هدفى هو محاولة كسر احتكار الأجانب لهذا التخصص وبناء مدرسة علمية عربية مصرية، وذلك بإقناع العديد من الباحثين بالاتجاه إليه، بعد توضيح إيجابياته وتحدياته، كما فعل معى أستاذى الدكتور محمود عاشور».