ساعدت على فهم البروتينات البشرية.. وسَرَّعت وتيرة الاكتشافات الدوائية

لماذا ذهبت نوبل الكيمياء لتطبيقات الذكاء الاصطناعى؟

محمد شعبان في مجال البيولوجيا البنيوية
محمد شعبان في مجال البيولوجيا البنيوية


شهدت الأبحاث فى مجال البيولوجيا البنيوية ثورة غير مسبوقة بفضل الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا فى التنبؤ ببنية البروتينات، هذه التطورات قادت إلى منح جائزة نوبل فى الكيمياء لعام ٢٠٢٤ إلى ديفيد بيكر، وديميس هاسابيس، وجون جامبر، جاء هذا التتويج تكريمًا لأبحاثهم التى حققت قفزة نوعية فى فهمنا للتراكيب البروتينية، وهو ما يؤثر بشكلٍ كبير على مجالات عدة مثل الطب وتصميم الأدوية، وبهذا، تُعد هذه الجائزة أول تكريم يُمنح لتطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

البيولوجيا البنيوية: فهم الخلايا من الداخل

تلعب البيولوجيا البنيوية دورًا محوريًا فى الكشف عن آليات الخلية الحية وكيفية عملها، فبينما تُعرف العضيات الخلوية مثل النواة والميتوكوندريا بدورها الحيوي، إلا أن الأجزاء الأصغر داخلها، مثل الأحماض الأمينية المكونة للبروتينات، هى المسئولة عن تنفيذ العمليات البيولوجية المُعقدة.

البروتينات، على وجه الخصوص، تقوم بوظائف دقيقة مثل نقل الأكسجين وتنظيم الأيض، وأى تغيير فى بنية هذه البروتينات أو شكلها ثلاثى الأبعاد قد يؤدى إلى ظهور أمراض خطيرة.

رحلة نحو رؤية الوحدات الخلوية

لفهم كيفية عمل البروتينات على المستوى الجزيئي، كان لا بد من تجاوز العقبات التقنية التى تحول دون رؤية تفاصيلها الدقيقة، بدءا من المجهر الضوئى التقليدى فى القرن السابع عشر، إلى اكتشاف الأشعة السينية على يد فيلهلم رونتجن عام ١٨٩٥، استمرت المحاولات لاقتحام عالم الخلية عبر تقنيات جديدة، وكانت هذه الاكتشافات الفيزيائية الأساس فى تمكين العلماء من دراسة الوحدات الخلوية على المستوى الذري.

الأشعة السينية نافذة على البروتينات

تُعد تقنية حيود الأشعة السينية من أهم الاكتشافات فى هذا المجال، إذ مَكَّنت العلماء من تحديد البنية التركيبية لبعض البروتينات، على سبيل المثال، حققت دوروثى هودجكن تقدمًا كبيرًا عندما كشفت عن التركيب البلورى لإنزيم الببسين، وقد ساهمت هذه الجهود فى إيضاح أن البروتينات ليست ذات بنى عشوائية، بل تمتلك هياكل ثلاثية الأبعاد تؤثر بشكلٍ مباشر على وظائفها الحيوية.

التحديات فى تحديد بنية البروتينات

رغم التقدم الكبير فى تقنيات الأشعة السينية، كانت هناك تحديات فى تشكيل بلورات البروتينات اللازمة للدراسة، جاءت التكنولوجيا لاحقًا لتخفف من هذه العقبات، حيث تم تطوير المجهر الإلكترونى فائق البرودة (cryo-EM) الذى يسمح برؤية التفاصيل الذرية للبروتينات دون الحاجة إلى تكوين بلورات.
على الرغم من أن الجسم البشرى يحتوى على أكثر من ٢٠ ألف بروتين، إلا أن الشكل ثلاثى الأبعاد المعروف لهذه البروتينات الذى تم تحديده باستخدام التقنيات السابقة لا يتجاوز الثلث.

اقرأ أيضًا| مخلوق غامض بأربعة أرجل يُثير حيرة الخبراء في حديقة حيوانات بريستول

ونظرًا لأن معظم الأمراض تنشأ نتيجة لخلل فى وظيفة البروتينات، فإن فهم البنية الهيكلية لهذه البروتينات وكيفية تفاعلها يُعد أمرًا أساسيًا لمواجهة الأمراض وتطوير الأدوية، وبالتالي، كان التحدى الأكبر يكمن فى الكشف عن البنية ثلاثية الأبعاد لكافة البروتينات الخلوية.

الذكاء الاصطناعى يُساهم فى التنبؤ ببنى البروتينات

فى العقود الأخيرة، بدأ العلماء فى الاعتماد على الذكاء الاصطناعى للتنبؤ ببنية البروتينات ثلاثية الأبعاد، وكانت إحدى أكبر المشكلات التى تُواجههم كيفية استنتاج الشكل ثلاثى الأبعاد لبروتين معين استنادًا إلى تسلسله الأولى من الأحماض الأمينية، وكانت هذه مسألة مُعقدة للغاية بسبب تداخل العوامل البيوكيميائية التى تؤثر على عملية طى البروتين.

ألفا فولد ٢: الحل الثورى

عام ٢٠٢٠، قدمت شركة «ديب مايند»، التابعة لجوجل، طفرة حقيقية فى هذا المجال بإطلاق أداة الذكاء الاصطناعى «ألفا فولد ٢»، إذ تمكنت هذه الأداة – التى طورها كلٌ من ديميس هاسابيس وجون جامبر – من تعلم كيفية التنبؤ بالشكل ثلاثى الأبعاد للبروتينات استنادًا إلى تسلسل الأحماض الأمينية المكونة لها، وحققت دقة فى التنبؤ بلغت ٩٠%، كان هذا الإنجاز نقلة نوعية فى علم الأحياء، حيث وَفَّر أكثر من ٣٥٠ ألف بنية بروتينية لأنواعٍ مختلفة من الكائنات الحية فى عامٍ واحد فقط، وبهذا السبق، استطاع العلماء التنبؤ بنحو ٩٨٫٥% من البنى البروتينية البشرية.

تصميم بروتينات جديدة

إلى جانب التنبؤ بالبروتينات، عمل ديفيد بيكر على تطوير طرق لتصميم بروتينات جديدة بالكامل، هذه البروتينات التى لا توجد فى الطبيعة يمكن أن تكون أداة قوية فى الطب، حيث يمكن استخدامها لتطوير أدوية مبتكرة أو لقاحات فعالة، إضافةً لذلك، حققت تقنية «روزيتا فولد»، التى طَوَّرها بيكر، تقدمًا مماثلًا جعلها هى الأخرى واحدةً من أكثر الأدوات دقةً فى التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات.

الأثر على صناعة الأدوية

التقدم فى فهم بنية البروتينات يحمل تأثيرًا هائلًا على تطوير الأدوية، فقد أسس العلماء الحاصلون على جائزة نوبل شركات حديثة متخصصة فى استخدام الذكاء الاصطناعى لتصميم أدوية جديدة، هذه الشركات تسعى لاستغلال البيانات الهائلة التى تم الحصول عليها من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعى لتسريع وتيرة الاكتشافات الدوائية.

ويُعد تكريم بيكر، هاسابيس، وجامبر بجائزة نوبل فى الكيمياء لعام ٢٠٢٤، اعترافًا عالميًا بأهمية الذكاء الاصطناعى فى تطوير العلوم الحيوية، بفضل هذا التقدم، أصبح بإمكان العلماء اليوم الوصول إلى كمٍ هائل من المعلومات عن البروتينات البشرية، مما يفتح آفاقًا جديدة فى الأبحاث الطبية وتصميم الأدوية، ويعزز من قدرة البشرية على مواجهة الأمراض المستعصية.

محمد شعبان // باحث دكتوراه فى مجال البيولوجيا البنيوية بكلية الطب فى جامعة إمبريال كوليدج لندن.
[email protected]