د. أحمد كرمانى عبد الحميد
منذ أيام رحل فى هدوء الفرسان النبيل الجميل الشاعر محمد الشحات (1954-2024)، تاركا بين أيدينا مسيرة حافلة بالنتاج الشعرى، عبر رحلة زمانية ممتدة من سبعينيات القرن الماضى حين صدر ديوانه الأول «الدوران حول الرأس الفارغة» (دار الحرية 1974) إلى ديوانه الأخير «سنبلة لا نملكها» الصادر فى العام الماضى عن دار الأدهم. بما يقارب سبعة وعشرين ديوانا، تحمل نبرة شعرية تميزه، فقد تولدت شعريته عقب نصر أكتوبر لتصاحب تحولات نفسية ومجتمعية وسياسية واقتصادية وفكرية عدة صاحبت المجتمع المصرى.
وربما أكون محقا حين أقول إن الشحات من بين هؤلاء الشعراء الذىن يمور شعرهم فى جدلية الحياة الاجتماعية، وإن بدت الذات الشاعرة متجلية فى أعماله الممتدة، لكنها ذات محملة بهموم ومخاوف ما، لا تنفك عن مخاوف الجماعة، وأهم ما يميزها على الأرجح أنها تطرح أشياء شديدة الخصوصية.
وفى إطار سردى، تتكشف به الذات، عبر رحلتها مع الشعر والحياة، وفى حنين للماضى أحيانا، وترقب للحاضر وتخوف من المستقبل. محاطة صحيح ذات الشاعر بجملة من المخاوف، لكنها ليست ذاتا ضعيفة، لأنها تتجلى فى القدرة على الفعل ومواصلة التحدى من خلال مواصلة الإنتاج الشعرى، ترى فى مواصلة الإنتاج بفاعلية إثباتا للوجود ومشاركة فى الهموم.
للشاعر محمد الشحات فيما أعلم حوالى سبعة وعشرين ديوانا كلها من شعر التفعيلة، الهامس بنبض إنسانى رهيف، ومن قرأ شعر الشحات يعرف تحرك تجربته الشعرية عبر ضميرى التكلم والغيبة، مما يوحى بإحساس من الاغتراب يسعى الشاعر إلى مقاومته بإثبات وجوده، دورانا حول الرأس الفارغة، واستجلاء لملامح ظله، يكاشف روحه عندما يشعر بشىء من الوجع، يسكن الزرقة، ويرى الوطن حروفا يكتبها وتكتبه، تتجلى لنا الذات الشاعرة ذاتا قادرة، والذات القادرة كما يرى (ريكور) يمكن الكشف عن تجلياتها فى إطار مجموعة مرتكزات حددها قائلا: «أنا أستطيع أن أتكلم، وأستطيع أن أفعل، وأستطيع أن أروى، أستطيع إعلان مسئوليتى عن أعمالى، وأن أعزوها لنفسى بوصفى فاعلا حقيقيا»، فما كان أحرص الرجل حين جمع أعماله الشعرية.
وتدور شعرية الشحات فى إطار سردى يكشف عن حياة يجرى تفحصها، حياة منقاة وموضحة، فى تراتب زمنى: الماضى والحاضر والمستقبل.
ترتكز سردياته الشعرية على الأفعال، لتشير إلى عموم مستوى نضالى، لا يطابق الواقع تمام المطابقة، إنما يقاربه ضمن إشكاليات موجعة منغمسة فى غربته وآلامه، تأنسن الأشياء، وتعرى الذات، كشفا عن مخاوفها، إزاء انعدام الحرية، ومرور الزمن، وضيق المكان، وغياب الصحب، فلا تجد إلا الأفعال مقاومة ومحاولة للانغماس فيما لا مهرب منه.
قد كان وحيًا/ لم يكن محض اكتتاب الشعر، بالأقلام/ كنت إذا نطقت الحرف/ نام الحرف/ فوق وسادة الأوراق، كان الحرف مر بداخلى/ من نهر أوردتى/ وكنت سقيته من ماء بئر، فى قرارة مهجتى/ علَ القصائد ترتوى/ من ذلك النبع الذى يأتى، بفيض الوحى من زخم المشاعر/ وهى تنمو بالكلام
فترتقى من أحرفٍِ/ حتى تصير مصادر للنور
فأفرح باتباع قصائدى/ فلقد نثرت بها معاناتى
وأفراحى وأحلام الطفولة والوطن. (ديوان سنبلة لا نملكها)
إن التفاعل بين الشاعر كمثقف يعيش فى مجتمع وممارسة كتابة الشعر كفن يقتضى مقاربة الذات كفاعلة، ومن ثم فإن الفعل الماضى «كان» يشير بالفحوى إلى دلالة الراوى العليم يقص طرفا من الرحلة، يؤكد أن مخاوف الذات الشاعرة أو فرحها لا تنفصل عن الجماعة، معاناة فى نسج الحرف مع الحرف ليتولد كلام هو نبض مشاعر. يرجى له أن يصير مصادر للنور.
لا يملك الشاعر إلا أن يطاوع نفسه فى كتابته لأنه لا يملك أداة غيره لمثاقفة قومه. فهو نافذة يطل بها على العالم ومفتاحه إلى دنياه التى لا تخلو من أوجاع:
كان الشعر نافذتى/ ومفتاحى إلى دنياى/
وأوجاعى التى لا تنتهى/ فأضمها حتى أحس بطعمها/
فأذوق أجمل ماعرفت من الكلام/ وأنتشى/ فى حضرة الأشعار طيرا هائما (ديوان سنبلة لا نملكها).
تحفل تجربة الشحات بتوق إلى جمال روحى عذب، وتكثيف للصور، فى إطار يبدو مسرحى، يستمد معجمه الشعرى من الدارج لا المفتعل، كأن شعره تطواف الذات حول منابع النور فى مشهدية تخاطب القيم، وترصد تجربة الشعر وحركته بين الأرضى المعيش، والسماوى الر حب.
لعل نبض القلب يحملنى/ إلى لا منتهاى/ فيكاد يشطرنى/ أنا ما بين بين/
وبين الشاطئين/ أخشى ارتطامى/ أو أظل معلقا/ لا الأرض تحنو/ كى تحاورنى
وتريح صدرى/ فوق أضلعها/ ولا حتى السماء/ تشدنى فى فلكها/ وأخاف من ضوء يمر
فإذا ارتضيب/ بأن أسايره/ سأبقى عالقا فى غرفتى.
صناع الحروف سدنته، حملة مخاوف الجماعة، يملكون رؤية استشرافية، تركوها فيما تركوا، واختزال نتاجهم فى الحروف، إشارة إلى معاناتهم ومجابهتم لصعاب أحاطت بهم، الحرف هنا بالفحوى يوحى باتساع الدائرة لتشمل الشعراء وغيرهم، ثمة مخاوف موروثة، وثمة ذات فاعلة ولننظر فى معجمية الأفعال التالية: «لأقيم، أنفض، أمضى» ثم الفعل «دعنى»، لا يخلو المناخ العام من قيد، يحاول الشاعر منه خلاصا، يرجو الشاعر حرية ما، والعجب كل العجب، أنه يرجو حرية ممن يرجو احتواءه ؛ ليمنحه رؤيته.
وهم يكتبون/ ولا يعرفون بأن حروفا لهم/ سوف تأتى، وتدخلنا/
سوف تسكن وجداننا/ ثم تربكنا/ ثم ترهقنا/
إن أعيننا لا ترى غير ما قد رأوه/ وما قدروه/
وإن كان لى أن أسايرهم/ فعلى التمكن بالسير فوق الصراط/
لأقيم لروحى صروحى/ وأنفض عنى جروحى/ وأمضى/
فدعنى أراك بعينى/ لكى أحتويك.
لقد عاش الشحات بيننا مازجا همومه الشخصية فى هموم الجماعة، يرقب العثرات، فى عتاب لا يخلو من حب.
يا حزن أيامى
على وطن نهيم بحضنه
ويظل يدفعنا
لنهجره (سيعود من بلد بعيد)
يلتقط من حياتنا اليومية مشهدية قصائده التى توحى بكثير من التحولات المجتمعية:
وضاعت تحت خطوط الماء/ كل السكك وكل رسوم القهوة/
هذا فطور ظل يقاسم وحدته سنينا/ منتظرا أن تأتى جارته وتشاركه
وعاد إلى طاولة كيما يكمل وحدته/
نظر إلى براد الشاى/ وقد واربه/ كيما تخرج أبخرة/
فيشم رائحة غابت عنه/ منذ رحيل أبيه. (مشاهد من دفتر الأيام)
رحل محمد الشحات عنا تاركا أعمالا شعرية، بلغة أليفة قريبة، تكاشفنا حين تكاشفه، إذ تستلهم الحياة والواقع، لتأخذ بيدى المتلقى إلى عالمه القريب المعيش دون الإغراق فى التجريب والتخييل.
دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:







