خواطر الشعراوى| الطلاق قبل الدخول

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يبدأ الشيخ الشعراوى تفسيره للآية 236 من سورة البقرة حول قوله تعالى: «لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ» يقول: نحن نلاحظ أن الكلام فيما تقدم كان عن الطلاق للمدخول بها، أو عن المرأة التى دخل بها زوجها ومات عنها. ولكن قد تحدث بعض من المسائل تستوجب الطلاق لامرأة غير مدخول بها. وتأتى هذه الآية لتتحدث عن المرأة غير المدخول بها، وهى إما أن يكون الزوج لم يفرض لها صداقاً، وإما أن يكون قد فرض لها صداقاً.

والطلاق قبل الدخول له حكمان: فُرضت فى العقد فريضة، أو لم تفرض فيه فريضة، فكأن عدم فرض المهر ليس شرطاً فى النكاح، بل إذا تزوجته ولم يفرض فى هذا الزواج مهر فقد ثبت لها مهر المثل والعقد صحيح. ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول: «لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً» ومعنى ذلك أنها كانت زوجة ولم يحدث دخول للزوج بها.

ولنا أن نسأل ما هو المس؟ ونقول: فيه مس، وفيه لمس، وفيه ملامسة. فالإنسان قد يمس شيئا، ولكن الماس لا يتأثر بالممسوس، أى لم يدرك طبيعته أو حاله هل هو خشن أو ناعم؟ دافئ أو بارد، وإلى غير ذلك.

أما اللمس فلابد من الإحساس بالشيء الملموس، أما الملامسة فهى حدوث التداخل بين الشيئين. إذن فعندنا ثلاث مراحل: الأولى هي: مس. والثانية: لمس. والثالثة: ملامسة. كلمة (المس) هنا دلت على الدخول والوطء، وهى أخف من اللمس، وأيسر من أن يقول: لامستم أو باشرتم، ونحن نأخذ هذا المعنى؛ لأن هناك سياقا قرآنيا فى مكان آخر قد جاء ليكون نصاً فى معنى، ولذلك نستطيع من سياقه أن نفهم المعنى المقصود بكلمة (المس) هنا، فقد قالت السيدة مريم: «قَالَتْ أنى يَكُونُ لِى غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً» «مريم: 20».

اقرأ أيضًا| خواطر الإمام الشعراوي| علة تحريم زواج المتعة

إن القرآن الكريم يوضح على لسان سيدتنا مريم أن أحداً من البشر لم يتصل بها ذلك الاتصال الذى ينشأ عنه غلام، والتعبير فى منتهى الدقة، ولأن الأمر فيه تعرض لعورة وأسرار؛ لذلك جاء القرآن بأخف لفظ فى وصف تلك المسألة وهو المس، وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يثبت لها إعفافاً حتى فى اللفظ، فنفى مجرد مس البشر لها، وليس الملامسة أو المباشرة برغم أن المقصود باللفظ هو المباشرة؛ لأن الآية بصدد إثبات عفة مريم.

ولنتأمل أدب القرآن فى تناول المسألة فى الآية التى نحن بصددها؛ فكأن الحق سبحانه وتعالى يعبر عن اللفظ بنهاية مدلوله وبأخف التعبير.

والحق يقول: «أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً» وتعرف أن (أَوْ) عندما ترد فى الكلام بين شيئين فهى تعنى (إما هذا وإما ذاك)، فهل تفرض لهن فريضة مقابل المس؟.

إن الأصل المقابل فى «مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ» هو أن تمسوهن. ومقابل «تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً» هو: أن لا تفرضوا لهن فريضة. كأن الحق عز وجل يقول: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن سواء فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا لهن فريضة. وهكذا يحرص الأسلوب القرآنى على تنبيه الذهن فى ملاحظة المعاني.

ولنا أن نلاحظ أن الحق قد جاء بكلمة (إن) فى احتمال وقوع الطلاق، و(إن) كما نعرف تستخدم للشك، فكأن الله عز وجل لا يريد أن يكون الطلاق مجترءاً عليه ومحققاً، فلم يأت ب (إذا)، بل جعلها فى مقام الشك حتى تعزز الآية قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».