يوميات الأخبار

تحت ظلال التوت .. حكايات من اكتوبر

أحمد عبد الرءوف
أحمد عبد الرءوف


تكريم أبطال أكتوبر بقريتنا كنا نظن أن عددهم قليل، لكننا فوجئنا أن هناك عشرات الأبطال لا فرق بين المسلم منهم والمسيحى

فى ظلال أشجار التوت بقريتنا قضينا أجمل الأوقات واستمعنا لأروع الحكايات فى سنوات الصبا والشباب، حيث ملتقى الجيران والأقارب فى ساعة «عصارى» لتناول الشاى من براد صغير تحضنته نار «الراكية» المحفورة فى الأرض، فيأخذهم الكلام ويسرح خيالهم مع الذكريات بحلوها ومرها.

رسمت هذه الحكايات لمحات عن الحياة فى الريف وكيف تغيرت على مدار سنوات قرن كامل، وكيف انقلبت معيشة الفلاح رأسًا على عقب من العهد الملكى إلى عصر ثورة يوليو، ومن فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر إلى عهد الرئيس أنور السادات، وصولاً إلى أيامنا هذه.  

وبينما تحل هذه الأيام الذكرى الحادية والخمسون لانتصار أكتوبر العظيم عام 1973، عدتُّ لأستمع قبل أيام إلى واحدة من هذه الحكايات، تشكل تفاصيلها صورة تصلح عن جدارة لتحويلها إلى مشهد سينمائى عبقري. 

هذه التفاصيل رواها عمى إبراهيم مجاهد ابن قريتنا وأحد أبطال حرب أكتوبر، وهى عن عدوان 1967، وكيف أنه كان مختبئًا من طائرات العدو مع أحد رفاقه فى حفرة صغيرة بوسط سيناء، يتوقعان الموت فى أى لحظة عقب الهجوم الإسرائيلى الغادر، لكن حب الحياة دفعه نحو دبابة لمحها تقترب عقب غروب شمس ذلك اليوم من شهر يونيو، وبينما اختار رفيقه البقاء فى الحفرة؛ اندفع هو نحو الشبح القادم من بعيد حتى قبل أن يكتشف أنه دبابة مصرية فى طريقها لمغادرة سيناء وقد تكدّس فوقها عدد كبير من البشر، لكنه لا يعلم حتى الآن إن كان رفيقه نجا مثله أم انضم إلى ركب الشهداء.

اقترب الجندى الشاب فناداه الرفاق «تعال يا وحش»، فقفز مع زملائه، مؤكدًا أنه من كثرة عددهم لم يلمس جسم الدبابة بل كان محمولا على أجسامهم حتى وصلوا جميعًا إلى بر الأمان، على عهد أكيد بأنهم عائدون حتمًا إلى سيناء ذات يوم.

هذا المشهد سمعته مرارًا دون ملل من عمى إبراهيم تحت توتة أخيه عمى كمال، وهو يجسد كيف تجاوزت مصر محنة 1967، وكيف أعادت بناء جيشها ونفضت عن نفسها غبار الهزيمة وتحقق بعد سنوات معدودة انتصارًا مدويًا، سنظل نفخر به جيلاً بعد جيل. 

عاد إبراهيم بعد ست سنوات مع رفاقه عام 1973 فى مواكب العزة والنصر، ليصنعوا موجات العبور التى أذهلت العالم شرقًا وغربًا، فاستردوا الشرف والكرامة وأنزلوا بعدوهم هزيمة مذلة ما زال يتجرع مرارتها.

استمعت أيضًا إلى حكايات عن بطولات خالدة عاشها ورواها أبناء الفلاحين، فزرعت كل واحدة منها فى قلبى شجرة من الفخر، تشبه شجرة التوت الضاربة بجذورها فى أعماق أرضنا الطيبة. هذه القصص المنسوجة بخيوط من العرق والدم حكاها لنا فى قريتنا الأبطال سعد فتوح وسالم عبد الخالق وإبراهيم عطية وغيرهم ممن انتقلوا للرفيق الأعلى، ولا زلت أستمع لها بين وقت وآخر من الأبطال إبراهيم مجاهد وعطية خليفة ونادى مهدي، وغيرهم، متعهم الله بكامل الصحة.

أتذكر أننا حين فكرنا فى تكريم أبطال أكتوبر بقريتنا كنا نظن أن عددهم قليل، لكننا فوجئنا أن هناك عشرات الأبطال لا فرق بين المسلم منهم والمسيحي، كانوا معًا يدًا بيد ضمن قوافل النصر التى لقنت الأعداء درسًا قاسيًا واستعادت الأرض المغتصبة.

هنا نترحم على آلاف الشهداء الذين رووا بدمائهم الطاهرة تراب سيناء، لنعيش مرفوعى الرأس ونسترد الأرض من عدو ما زال يعيث فسادًا من حولنا، ولا يزال حتى هذه اللحظة يرتكب أبشع الجرائم ضد شعب فلسطين الأعزل.

على جبين هؤلاء الأبطال وعلى أيديهم نطبع آلاف القبلات تقديرًا واعترافًا ببسالتهم منقطعة النظير، وهم الذين كانوا ذاهبين على استعداد لئلا يعودوا إلى الأهل والديار من أجل أن تعيش مصر عزيزة حرة، لكنهم كانوا على ثقة مثيرة للدهشة بأنه «لابد من يوم محتوم .. تترد فيه المظالم .. أبيض على كل مظلوم .. أسود على كل ظالم».

أغصان جذورها فى قلبي

رغم انتقالى للحياة خارج القرية منذ أكثر من ربع قرن بعدما شدتنى ندّاهة الصحافة، ما زلت لا أقوى على البقاء بعيدًا لفترات طويلة كالسمك الذى لا يستطيع العيش خارج الماء، وما زلت كأى فلاح أجد نفسى أسيرًا لعشق الزرع والأشجار والخضرة على امتداد البصر، وحتى يومنا هذا لا أرى أروع من حقول قريتى التى فيها نشأت، ولا من سككها التى تحتضنها الظلال الوارفة، حتى وإن غيرتها الأيام والسنوات. 

تقليديًا كانت فى قريتنا أشجار ضخمة تعانق السماء يتجاوز عمر بعضها أعمار أقدم المعمّرين، كالتوت والجميز والنخيل والكافور والحور والسنط والصفصاف والزنزلخت أو الزنزل كما يطلق عليه أهل القرية، بالإضافة إلى أشجار فاكهة عتيقة كالمانجو والجوافة والعنب.

لا أنسى أبدًا تلك الرائحة الزكية التى كانت تفوح من حقول البرتقال فى بدايات فصل الربيع، ولا المنظر البديع لأغصان التوت وهى تطلق أوراقها ناصعة الخضرة أواخر الشتاء ليكتمل نموها فى الربيع، فتملأ الأرجاء جمالاً ونقاء.

كانت أغصان الصفاف تأخذ قلبى وعقلى وهى تتدلى على مياه الترعة النقية - قبل أن يعكر صفوها تلوث متعدد الأشكال - أو على صفحة النيل، بينما ينعكس لونها الأخضر فوق الماء الذى كانت أسماكه تجنح للشط كى تستظل بهذه الشجرة أو تلك.

لا أخفى أيضًا إعجابى بأشجار جميلة بدأ الأهالى يزرعونها فى السنوات الماضية مع انتشار زراعة نباتات الزينة فى قريتنا والقرى المجاورة، لكننى رغم معرفتى بأنواع عديدة من الأشجار، لم أجد أجمل ولا أبهى ولا أنفع من شجرة التوت، ولا أروع من ظلها فى لهيب صيف قائظ، ولا دفئا أحنّ من خشبها فى برد الشتاء.

فى الشتاء تسقط أوراق التوت وكأنها تفسح المجال لأشعة الشمس كى تنشر الدفء، وفى الصيف تنمو أوراقها وتكبر فتشكل خيمة رطبة الظلال تجمع تحتها الكبير والصغير على «راس الغيط» أو بجوار الساقية أو حتى أمام المنازل الطينية البسيطة.

مع الأوراق المتساقطة تنفض هذه الشجرة المصرية الأصيلة غبارها لتستقبل الربيع بأوراق ملساء زاهية الخضرة تخطف الأبصار، وكأنها تنظف نفسها بنفسها خلافًا لأشجار دخيلة على بيئتنا تبقى مستديمة الخضرة طوال العام فتكتمل بين أغصانها دورة حياة البعوض والذباب وغيرهما من الحشرات الضارة بالإنسان والنبات، وتتراكم عليها الأتربة إلى ما لا نهاية.

شجرة التوت سريعة النمو، تمتد جذورها فى الأعماق فتعتمد على نفسها اعتمادًا كليًا، وتستطيع أغصانها الصلبة مقاومة الرياح فى مختلف أوقات السنة، وتغطى بظلها مساحة كبيرة من الأرض.

تتميز التوتة أيضًا بصلابة أخشابها ومقاومتها لحشرة «السوس» أو «صرصور الخشب»، بما جعلها ملائمة لاستخدامات عديدة فى بناء البيوت الريفية أو فى الأثاث المنزلي.

ويعرف أهل الريف أن أشجار التوت معمرة أكثر من غيرها، فهى بالنسبة لهم شجرة الآباء والأجداد، ويرددون باعتزاز وأنا منهم «دى التوتة اللى زرعها أبويا»، ويحبون ثمارها اللذيذة، ويصنع بعضهم خيوط الحرير الطبيعى التى تنتجها دودة القز بعد أن تتغذى على أوراق التوت. 

كل هذه الصفات تجعلنى مغرمًا بشجرة التوت، وتدفعنى لدعوة المصريين كى يعيدوا اكتشاف هذه الشجرة التى تنمو بمجرد أن نرمى إحدى ثمارها التى تحتضن بداخلها بذرة عبقرية، فيخرج منها كل هذا العطاء والجمال.