خواطر الإمام الشعراوي| علة تحريم زواج المتعة

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 235 من سورة البقرة حول قوله تعالى: «وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِى أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» يقول: ونعلم جميعا أن المرأة فى مثل حال المطلقة أو المتوفى عنها زوجها تملك شفافية وألمعية تلتقط بها معنى الكلام ومراده.

ويتابع الحق: «وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ» وهكذا نرى أن مجرد العزم الأكيد أمر نهى عنه. والعزم مقدم على الفعل فإذا نهى عنه كان النهى عن الفعل أقوى وأشد وأنهى، فلك أن تنوى الزواج منها وتتوكل على الله، لكن لا تجعله أمرا مفروغا منه، إلا بعد أن تتم عدتها، فإن بلغ الكتاب أجله وانتهت عدتها فاعزموا عقدة النكاح. فكأن عقدة النكاح تمر بثلاث مراحل:

اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوي | الحكمة لعدة الزوجة

المرحلة الأولى: وهى التعريض أى التلميح. والمرحلة الثانية: هى العزم الذى لا يصح ولا يستقيم أن يتم إلا بعد انتهاء فترة العدة. والمرحلة الثالثة: هى العقد.
والمقصود بهذه المراحل أن يأخذ كل طرف فرصته للتفكير العميق فى هذا الأمر الجاد، فإن كان التفكير قد هدى إلى العزم فإن للإنسان أن يعقد بعد انتهاء العدة، وإن كان التفكير قد اهتدى إلى الابتعاد وصرف النظر عن مثل هذا الأمر فللإنسان ما يريد.

ويريد الحق من هذه المراحل أن يعطى الفرصة فى التراجع إن اكتشف أحد الطرفين فى الآخر أمرا لا يعجبه. وكل هذه الخطوات تدل على أن العقد لا يكون إلا بعزم، فلا يوجد عقد دون عزم، إن الحق يريد من المسلم ألا يقدم على عقدة النكاح إلا بعد عزم. والعزم معناه التصميم على أنك تريد الزواج بحق الزواج وبكل مسئولياته، وبكل مهر الزواج، ومشروعيته، وإعفافه؛ فالزواج بدون أرضية العزم مصيره الفشل.. ومعنى العزم: أن تفكر فى المسألة بعمق وروية فى نفسك حتى تستقر على رأى أكيد، ثم لك أن تقبل على الزواج على أنه أمر له ديمومة وبقاء لا مجرد شهوة طارئة ليس لها أرضية من عزيمة النفس عليها.
ولذلك فإن الزواج القائم على غير رويّة، والمعلق على أسباب مؤقتة كقضاء الشهوة لا يستمر ولا ينجح. ومثل ذلك زواج المتعة؛ فالعلة فى تحريم زواج المتعة أن المقدم عليه لا يريد به الاستمرار فى الحياة الزوجية، وما دام لا يقصد منه الديمومة فمعناه أنه هدف للمتعة الطارئة.

والذين يبيحون زواج المتعة مصابون فى تفكيرهم؛ لأنهم يتناسون عنصر الإقبال بديمومة على الزواج، فما الداعى لأن تقيد زواجك بمدة؟ إن النكاح الأصيل لا يُقيد بمثل هذه المدة. وتأمل حمق هؤلاء لتعلم أن المسألة ليست مسألة زواج، إنما المسألة هى تبرير زنى، وإلا لماذا يشترط فى زواج المتعة أن يتزوجها لمدة شهر أو أكثر؟

إن الإنسان حين يشترط تقييد الزواج بمدة فذلك دليل على غباء تفكيره وسوء نيته؛ لأن الزواج الأصيل هو الذى يدخل فيه بديمومة، وقد ينهيه بعد ساعة إن وجد أن الأمر يستحق ذلك، ولن يعترض أحد على مثل هذا السلوك، فلماذا تقيد نفسك بمدة؟ إن المتزوج للمتعة يستخدم الذكاء فى غير محله، قد يكون ذكيا فى ناحية ولكنه قليل الفطنة فى ناحية أخرى.

إن على الإنسان أن يدخل على الزواج بعزيمة بعد تفكير عميق وروية ثم ينفذ العزم على عقد. حذار أن تضع فى نفسك مثل هذا الزواج المربوط على مطامع وأهداف فى نفسك كعدم الديمومة أو لهدف المتعة فقط، فكل ما يفكر فيه بعض الناس من أطماع شهوانية ودنيوية هى أطماع زائلة. اصرف كل هذه الأفكار عنك؛ لأنك إن أردت شيئًا غير الديمومة فى الزواج، وإرادة الإعفاف؛ فالله سبحانه يعلمه وسيرد تفكيرك نقمة عليك فاحذره.

إن الله سبحانه لا يحذر الإنسان من شيء إلا إذا كان مما يغضبه سبحانه. لذلك يذيل الحق هذه الآية الكريمة بقوله: «واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فى أَنْفُسِكُمْ فاحذروه واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ». وهو سبحانه يعلم ضعف النفس البشرية وأنها قد تضعف فى بعض الأحيان، فإن كان قد حدث منها شيء فالله يعطيها الفرصة فى أن يتوب صاحبها لأنه سبحانه هو الغفور الحليم.