زهور وأشواك

أحمد الخطيب يكتب: منطقية الإسلام بين التطرف والدجل

أحمد الخطيب
أحمد الخطيب


تتعرض فكرة رسالة الإسلام العظمى الى تشويه خطير ما بين تنظيمات التطرف القاتلة من جانب، وجماعات الدجل والشعوذة من جانب آخر.

كلاهما يمتطى الفكرة السامية منطلقاً نحو أهدافه الإجرامية والانحرافية التى تبعد عن الغاية الكبرى فى هداية الناس ومعرفة طريق الله بالحق والعدل والعقل.
جاءت الرسالة الإسلامية تستهدف بشكل رئيسى تكريم الإنسان، ذلك التكريم المُرتكز على فكرة العقل، حتى إن التشريع قد أخرج من مناط التكليف كل مَن أصاب عقله مانعاً أحال بينه وبين الإدراك سواء كان طارئاً أو مستديماً.

العقل هو وسيلة إدراك وجود الله تعالى واتخاذه رباً وتوحيده، أى أن ذلك العقل هو المُرتكز الأساسى لأصل العبادة وهى التوحيد.

وبذلك تكون أى دعوة لتغييب هذا العقل أو ابتذاله والتسفيه منه بمثابة مخالفة صريحة للمقصد الرئيسى من مقاصد الرسالة وشريعتها المُقدسة.

يلتف البعض حول هذا المعنى باستخدام فرض وفرضية الإيمان بالغيب وبالقدر، وهو انحراف مُتعمد بسوء نية، لأننا نؤمن بذلك الغيب ولكننا لا نمارسه كطقوسٍ يومية، نؤمن بذلك الغيب المتعلق بالاعتقاد الإيمانى بوجود الله وتوحيده وعبادته، وكل ما يترتب عليه هى ممارسات مادية يومية ملموسة ومتغيرة تنطلق من قاعدة إيمانية ثابتة.

تتضح فكرة العقل فى الإسلام بجلاء من خلال النص القرآنى الذى أعلى فى مواضع كثيرة قيمة العلم والعمل، واسترسلت آياته فى سرد القصص القرآنى لوقائع مادية لاستخلاص العبر والعظات والتعلم.

فى بداية الرسالة، حرص الخطاب القرآنى -بتركيز شديد- على الخطاب المادى العقلانى المُبسّط من خلال آيات السور المكية، فنجد تلك الآية العظيمة بسورة الغاشية «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت»، وهو خطاب قرآنى عبقرى ارتكز على احترام عقل المُتلقى، ودعاه للإيمان بالله وتوحيده فى الملكوت الغيبى المحجوب عن طريق العقل الذى لا يُدرك ولا يستوعب إلا ما يلمس من مادياتٍ محيطة به، ليكون ذلك إقراراً بأن العقل هو السبيل لإدراك وجود الله فى ملكوته وعبادته.

برغم تلك الحقيقة شديدة الجلاء، فإننا نجد الآن مَن يطل علينا مُستخدماً خطاباً غيبياً مجهول المصدر مستغلاً جهل وبساطة وسذاجة بعض المُريدين لممارسة حالة من الاتجار بـ «مخدر دينى» له سطوة مُذهلة فى تغييب العقل وإضفاء حالة طقوسية على تعاليم الإسلام من خلال ممارسات للدجل المُعلن كشفت عنها حالة الكثافة الإعلامية التى تحيط بنا، حتى وصل الحال بهؤلاء بأنهم يدعون اتصالاً خاصاً بالملأ الأعلى وأن لهم كرامات وعلامات وصلت إلى حد ادعاء اتصال خاص بحالة نبوية اختص بعضهم بها دون تقديم سبب أو دليل على ذلك.

يرتكب هؤلاء جريمة شرعية متكاملة الأركان تُظهر الاسلام بصورة هزلية ورديئة فى عصر العلم وكأنّه دعوة للشعوذة من خلال مجموعة من الطلاسم والأسحار.

كما يرتكب هؤلاء تغولاً مذموماً على الوحى، بل وعلى إتمام الرسول الكريم لأمانة الرسالة والبلاغ، وكأنها ما زالت بحاجة إلى تدخل بشرى لإكمال ما لم يتم بوفاة النبى الكريم.. حاشا لله.

هؤلاء وجماعات التطرف والإرهاب وضعوا الرسالة السامية أمام حالة التغييب المُتعمد ووجدت الفكرة الإسلامية نفسها أمام كارثة حقيقية ما بين الإفراط والتفريط، فانقسمت إلى جماعات وتنظيمات وفرق ومذاهب وطرق لم تتفق إلا على إهدار العقل وفرض الخرافات.

ما بين إفراط جماعات التطرف أهدرت فكرة العقل من خلال دعوة صريحة لردة حضارية شكلاً وموضوعاً حتى نجحت مع الأسف فى تسويق الإسلام باعتباره فكرة تراثية غير صالحة لمسايرة تطور الزمن إلى تسطيح مُتعمد من جماعات الدجل والشعوذة التى تسوق الخرافة للمريدين والمجذوبين.