الموقف السياسي

محمود بسيوني يكتب: المنتدى.. القمة.. والمصير

محمود بسيونى
محمود بسيونى


تستعد نيويورك فى الخريف لعيد القديسين أو الهالوين، وتنتشر فى شرفات المنازل العرائس المرعبة وثمار اليقطين (القرع العسلى) المفرغة على هيئة ابتسامة مرعبة ومخيفة، لتتحول إلى فانوس يضىء عتبة المنازل، وهو تقليد جاء إلى الولايات المتحدة من أيرلندا بواسطة المهاجرين فى القرن التاسع عشر.

ترتبط ثمرة اليقطين المرعبة بأسطورة يطلق عليها (jack-o›-lantern)، وتتحدّث عن رجل أيرلندى يُدعى جاك، قام بخداع الشيطان حتى لا يأخذه إلى الجحيم بعد وفاته، إلا أنه لم يكن صالحًا بما فيه الكفاية ليجد طريقه إلى الجنة، فتم الحكم عليه بأن يظل هائمًا وليس معه إلا بعض الفحم المشتعل ليُضىء طريقه، فقام جاك بوضع الفحم فى ثمرة يقطين كان قد أفرغها؛ ومن وقتها يتجول جاك دون هداية، استمرت الأسطورة واعتاد الأيرلنديون على تفريغ ثمرة اليقطين لإبقاء الأرواح المتجولة مثل جاك بعيدًا.

تُلقى الأسطورة بظلالها على الخريف شهر اللون الرمادى، وتساقط أوراق الشجر فى نيويورك لتصنع كآبة تليق بما يشهده العالم من صراعات عنيفة وقاسية، تدمى القلوب وتذهب العقول.

وداخل مبنى الستائر الزجاجية المطل على نهر إيست، عقدت الأمم المتحدة قمة المستقبل، وانطلقت من عنوان عريض وواقعى، وهو عالم فى مفترق للطرق، تسوده الملفات المتفجرة فى أوروبا والشرق الأوسط والقرن الإفريقى، وتملأ المستقبل برائحة البارود فى السيناريوهات المتفائلة، أما المتشائمة فترسم سحب عيش الغراب الناتجة عن الانفجار النووى.

تحدثت قمة المستقبل فى الأمم المتحدة عن السلام والتنمية، بينما الأيدى مشدودة على الزناد فى الشرق الأوسط، وأطفال فلسطين ولبنان يستقبلون العام الدراسى الجديد بانفجارات وملاجئ وأمراض فتاكة، تعصف بمَن تبقى بعد القصف الإسرائيلى، وما خلّفه من دمار.  

يعيش العالم بالفعل أجواء الحرب العالمية، ويخضع لذات التأثير العاصف بجهود التنمية والإصلاح، وكان التأثير الأكبر على إفريقيا، وبحسب تقرير لصندوق النقد الدولى يحيط بآفاق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المزيد من عدم اليقين، مع توقعات بمخاطر التطورات السلبية للصراعات مع تداعيات اقتصادية حادة، بما فى ذلك على التجارة والسياحة، ويُحذّر من تصاعد الصراع أو انتقاله خارج غزة وإسرائيل، وزيادة الاضطرابات فى البحر الأحمر، لما لها من تأثيرات بالغة الخطورة على الاستقرار الاجتماعى، نظرًا لزيادة التضخم وارتفاع الأسعار.

تفرض تلك التطورات وغيرها على الأمم المتحدة أن تُعيد النظر فى النظام العالمى الحالى، بعدما فشل فى إحلال السلام وحماية الإنسان من القتل على الهوية، للحرب ويلات ولا يصح للأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية، والمفوضية السامية، والعدل الدولية الوقوف مكتوفى الأيدى أمام العربدة الإسرائيلية، واتساع جرائمها لتمتد إلى نطاق عدة دول، دون أن تتمكن أية مؤسسة أممية من كبح جماحها أو محاسبتها، بينما تتدفق الأسلحة على قوات الاحتلال، والكل يعلم أنها لا تقتل سوى المدنيين من الأطفال والنساء.

وفى القرن الإفريقى تتغول دول وميليشيات وتشتعل الحروب الأهلية لتهدد قناة السويس والبحر الأحمر ممر التجارة العالمى الأهم، وتُحاول دول أخرى تقليد إسرائيل فى فرض سياسة الأمر الواقع، سواء الاعتراف بكيانات انفصالية أو تهديد الأمن المائى لدول مجاورة، بما يُهدد بمزيد من التصعيد فى مناطق ملتهبة بالأساس.

 انتبه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى المأزق الذى يُواجه النظام العالمى، وربما كان اختياره لعنوان «مفترق طرق» ليكون الحوار الرئيسى لقمة المستقبل دفع النقاش إلى أن يكون أكثر واقعيًا، وكذلك دعوته لمشاركة الشباب كانت موفقة، لأن المستقبل فى صميم اهتمامهم.

جوتيريش طرح على مائدة القمة إصلاح مجلس الأمن ليكون أكثر قدرة على أن يعكس شكل العالم اليوم، ومعالجة التمثيل التاريخى الناقص لإفريقيا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية، ووضع الأساس لإنشاء لجنة بناء سلام أكثر مرونة، ولإجراء مراجعة أساسية لعمليات السلام لجعلها مناسبة للظروف التى تواجهها.

ناقشت القمة أيضًا الطبيعة المتغيّرة للصراع والتلويح المتزايد لاستخدام السلاح النووى، ودعت إلى اتخاذ خطوات لمنع سباق التسلح فى الفضاء الخارجى، وتنظيم استخدام الأسلحة الفتاكة المستقلة، ووضع تدابير لوضع استجابة فورية ومنسقة للصدمات العالمية المعقدة، وإسراع إصلاحات النظام المالى الدولى.
كانت مصر حاضرة بالشباب من منتدى شباب العالم، بعد حصوله على اعتماد خاص يتيح له المشاركة فى الجلسات الرسمية والخاصة بالشباب، وهو ما مكّن شباب المنتدى من طرح تصوراتهم عن السلام والتنمية والتحول الرقمى، وهى ذات أهداف المنتدى عبر نسخه المختلفة منذ إطلاقه بدعم من الرئيس عبد الفتاح السيسى، لتمكين شباب العالم لإيصال صوتهم إلى قادة وزعماء العالم عبر منصة حوار واسعة.

نال المنتدى تقديرًا دوليًا واسعًا لدوره فى فتح الآفاق أمام شباب العالم وأصواته المختلفة للتعبير عن آرائهم وأحلامهم فى شتى الموضوعات محل اهتمام الأمم المتحدة، ويحظى برعاية «الأكاديمية الوطنية للتدريب»، التى تعمل على إيصال أصواتهم إلى مراكز صُنع القرار الدولية، بما يضمن مساهمته فى إحداث تغيير ملموس فى صياغة السياسات الدولية المستقبلية.

وجاءت مشاركة المنتدى لتضع أمام قادة العالم خريطة طريق مصرية الصنع، تنطلق من الأمل والعمل وتخطى التحديات بشجاعة، وتعبّر عن روح الشباب وطموحاته فى الشرق الأوسط وإفريقيا، مستفيدة من دعم الرئيس السيسى لتمكين الشباب، كتجربة حيّة على الحوار الإيجابى بين القيادة السياسية والشباب، وتمكينهم من صناعة المستقبل عبر مشاركتهم فى كل الفاعليات المعنية بمستقبل مصر والعالم.

رسائل الأمل المصرية انطلقت من أهداف المنتدى، وأولها مواجهة البطالة بتوفير فرص العمل للشباب، وتحقيق ذلك من خلال العمل من أجل إحلال السلام والاستقرار، والسعى من أجل التنمية المستدامة والتحول الرقمى، وهو ما تستحقه منطقة سحقتها الصراعات والأزمات، وعطلت أحلام ملايين الشباب فى واقع آمن ومستقر.

أما صوت مصر الرسمى، فجاء على لسان الدكتور بدر عبد العاطى، وزير الخارجية، حيث اعتبر القمة فرصة لتعزيز العمل متعدد الأطراف فى مواجهة التحديات، التى تُلقى بظلالها على الدول النامية، وتُؤثر على مساعيها لتحقيق التنمية المستدامة.

وشدد عبد العاطى على ضرورة وقف العدوان على قطاع غزة والضفة الغربية، لافتًا ومعه كل الحق، إلى أن الثقة فى عدالة النظام الدولى باتت تتعرض لاختبار حقيقى، فى ظل عجز المجتمع الدولى عن وقف المأساة، التى تحولت إلى أزمة إقليمية تُهدد عدة دول.

وسلطت مصر الضوء - سواء فى اجتماعات بشقها الرسمى أو مع الشباب والمجتمع المدنى- على أهمية زيادة تمويل التنمية وإصلاح هيكل النظام المالى العالمى، وذلك لتقليص الفجوات بين الدول ومعالجة الخلل الراهن بترك دول عديدة خلف ركب الازدهار، ودعت لفتح الباب أمام نقل التكنولوجيا ودفع التعاون الرقمى وزيادة برامج البحث والتطوير وبناء القدرات، خاصة فى القارة الإفريقية، بالإضافة إلى دعم جهود الدول الإفريقية لمواجهة الآثار السلبية لتغيُّر المناخ، انطلاقًا من مبدأ المسئوليات المشتركة ولكن متباينة الأعباء.

ولفتت مصر الانتباه لقضية المياه وضرورة التعاون فى مواجهة تحدى الندرة وتعزيز التعاون المائى العابر للحدود، والحفاظ على الأمن المائى للدول، بعيدًا عن السياسات الأحادية، التى تُمثل انتهاكًا سافرًا لمبادئ القانون الدولى.  

انتهت أعمال القمة باعتماد الجمعية العامة - بالإجماع وبدون تصويت - قرارًا يتضمن اتفاقًا رئيسيًا يُعرف بـ «ميثاق المستقبل»، يركز على خمسة مجالات هى: التنمية المستدامة، السلم والأمن الدوليان، العلوم والتكنولوجيا، الشباب والأجيال القادمة، وإحداث تغيير فى الحوكمة العالمية، وهو مجال حيوى فى ظل عدم قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على إيجاد حلول لمشاكل القرن الحادى والعشرين.

وبحسب الأمم المتحدة، تعهدت الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة من خلال اعتماد ميثاق المستقبل على تعزيز أهداف التنمية المستدامة، واتفاق باريس للمناخ، والتحول بعيدًا عن الوقود الأحفورى فى أنظمة الطاقة، بطريقة عادلة ومنصفة، والاستماع إلى الشباب وإشراكهم فى صُنع القرار، على المستويين الوطنى والعالمى، وبناء شراكات أقوى مع المجتمع المدنى والقطاع الخاص والسلطات المحلية والإقليمية وغيرها، ومضاعفة الجهود لبناء واستدامة مجتمعات سلمية وشاملة وعادلة، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراعات، وحماية جميع المدنيين فى النزاعات المسلحة، وتسريع تنفيذ الالتزامات بشأن المرأة والسلم والأمن.

وبالنظر إلى مخرجات القمة باعتبارها تقريرًا جديدًا لمصير العالم، كان يجب على الأمين العام للأمم المتحدة أن يُنبّه إسرائيل وداعميها إلى أن الالتزام بميثاق المستقبل بعد موافقة الأمم المتحدة يفرض على دولة الاحتلال وقف آلة الحرب المدمرة، وإنهاء صراعها الخاسر، فهى لن تنتصر على أصحاب الأرض مهما طال الزمن. 

إن جرائم إسرائيل لا تخدم سوى المتطرفين، وسياستها العنصرية تُغذى الكراهية، وتبعد الشرق الأوسط تمامًا عن تنفيذ مقررات المستقبل، وعلى الأمم المتحدة والدول الأعضاء التحرك سريعًا قبل أن يسقط ميثاق المستقبل، مثلما سقط النظام العالمى السابق، والصراع يُعطل كل بنود الميثاق، ويجعل تنفيذها بعيد المنال.