عروسة المولد.. حلاوة زمان

عروسة المولد 1965 - للفنان كامل مصطفى
عروسة المولد 1965 - للفنان كامل مصطفى


نعيش هذه الأيام ذكرى المولد النبوى الشريف الذى يوافق 12 ربيع الأول من كل عام هجرى، وفيه يأخذنا الحنين إلى أهم العادات والتقاليد المتوارثة فى هذا اليوم، خاصة شراء عروسة المولد والحصان المصنوعين من الحلوى، تلك المنحوتات مختلفة الأشكال والأحجام تعد من أهم رموز الاحتفال بهذا اليوم عند المصريين منذ العصر الفاطمى...، أجيال توارثت تلك المظاهر والعادات.. وأصبح شراء «عروسة المولد» والحصان فى هذا اليوم أمنية لا غنى عنها للأطفال والفتيات.

والفن التشكيلى ليس بمنأى عن هذه المظاهر، بل على العكس فقد أصبحت تلك العادات والتقاليد مصدر إلهام للفنانين التشكيليين فى مختلف فروع الفن كالنحت والتصوير والحفر، فقد تفاعلوا معها وترجموها إلى أعمال إبداعية، وساهموا بتبصير عشاق هذا الفن بجماليات وروحانيات هذا اليوم.

اقرأ أيضًا | حتى تؤدي أدوارها المهمة.. قصور الثقافة تحتاج إلى حلول مبدعة

ملهمة التشكيليين
تبعث عروسة المولد بشكلها وزيها المصنوع من الورق المزركش بألوانه الصريحة البهجة على تراثنا الشعبى، بل هى نموذج لهذا الفن لما تحمله من صفات جمالية ومعان وأحاسيس جعلتها عنصر جذب لتلاميذ المدارس الذين تأثروا بها فرسموها بخطوط تلقائية ولونوها بسهولة، وقد ترجمها الفنانون التشكيليون فى أعمال كثيرة متأثرين بعناصرها البنائية والشكلية والجمالية، من هؤلاء الفنانين: كامل مصطفى، وجمال السجينى، وتحية حليم، وعلى دسوقى، وحلمى التونى، وسيد عبدالرسول.

الفنان كامل مصطفى (1917-1982) - تخرج فى قسم التصوير بمدرسة الفنون الجميلة العليا عام 1941، وتتلمذ على يد الكبار يوسف كامل ومحمد ناجى وأحمد صبرى، وأصبح عميدًا للفنون الجميلة بالإسكندرية عام 1969..، والفن عنده عبارة عن مجموعة من الأحاسيس والزوايا، فهو عندما يرسم يشعر ويتأثر بما يرسمه ويغوص داخله ثم يتناوله برؤيته الخاصة وبأسلوب تعبيرى انطباعى، ظهر ذلك فى أعمال كثيرة بوصفه فنانًا تأثيريًّا اهتم بتسجيل مشاهد من القاهرة الفاطمية بمفرداتها الغنية، فضلًا عن اهتمامه بتسجيل ملامح ولقطات من الأحياء الشعبية.

عروسة المولد بفكر كامل مصطفى
رسم كامل مصطفى عام 1965 لوحة بعنوان «عروسة المولد» - جسد فيها مشهدًا مسرحيًّا ليوم الاحتفال بالمولد النبوى من ناحية اختيار العناصر والأشكال وتوزيعها داخل العمل واهتمامه بأدق التفاصيل، وكيفية اختيار الألوان المناسبة مما جعلنا نشعر أننا أمام مشهد حقيقى لتلك الاحتفالية.

رسم الفنان مكانًا تم تجهيزه خصيصًا بأدوات بسيطة من الخشب والقماش (الصوان) فى أحد الأحياء الشعبية المجهز لبيع حلاوة المولد، يتصدر المشهد فتاة عشرينية تقف أمام المحل تمسك عروسة المولد وكأنها حققت حلمها بالحصول عليها، الفتاة رسمها الفنان فى مقدمة العمل مع امتزاج ألوانها وتشابهها بألوان عرائس المولد التى ملأت الأرفف المصطفة داخل المحل، ابتسامة الفتاة وألوان ملابسها المكونة من شال أحمر وفستان أزرق فاتح وعقد أصفر تعكس حالة النشوة التى أحاطت بها بسبب حصولها على أمنيتها وهى العروسة.

هذا الصوان أو المحل مجهز بعدة أرفف وفاترينة خشبية تم رسمها باللون الأزرق الفاتح، وقد رسم على الأرفف بشكل جمالى انسيابى مجموعة من عرائس المولد والأحصنة المصنوعة من السكر، يجلس أمام المحل صاحبه يدخن الشيشة تعبيرًا عن أنه (المعلم) صاحب المحل، وتقف أمام المحل استعدادًا للشراء سيدتان إحداهما تحمل طفلا صغيرا على كتفها، وعلى يسارها تقف طفلة صغيرة.. والثانية تقف بجوارها تستعد للشراء.

سيطرت الألوان المبهجة على المكان مثل الأحمر والأصفر ليعكس حالة من الفرح والنشوة بهذه المناسبة، فضلا عن اهتمام الفنان بالتفاصيل.. منها حركة الشراء وجلوس صاحب المحل متابعًا حركة البيع، وابتسامة الفتاة التى تحمل عروس المولد..، مشاهد أضافت للوحة بعدًا جماليًّا وفلسفيًّا من حيث التناغم والحركة، إضافة إلى الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، حيث الظل والنور والنسب التشريحية.. مشهد يعكس موهبة الفنان فى نقل أحاسيسه وتجسيدها بمهارة للمشاهد، ليؤكد مدى أهمية الاحتفال بالمولد النبوى الشريف وأثره فى قلوب المصريين.