فى مطلع الشهر الجارى تم الإعلان عن مبادرة سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بمبادرة من الأخ ناصر القدوة وزير الخارجية الفلسطينى الأسبق، وإيهود أولمرت رئيس وزراء حكومة الاحتلال الأسبق، هذه المبادرة لا تختلف عن مفاوضات السلام التى تمت سابقًا بين الرئيس محمود عباس ورئيس حكومة الاحتلال حينها إيهود أولمرت حيث تم الاتفاق على تفاصيل كثيرة ولكن فى اللحظة التى كان لابد من الإعلان على توقيع اتفاق للسلام جديد بتفاصيل عديدة، تنهى ملفات عالقة كثيرة فى نهاية عام 2008م وحسب حديث الرئيس الفلسطينى محمود عباس حينها أنه اتفق مع إيهود أولمرت والوفد الإسرائيلى الذى كان يشارك فى الاجتماعات السرية التى كانت تعقد فى منزل إيهود أولمرت على كافة التفاصيل بما فيها ملفا اللاجئين والقدس وأن ما تبقى تفاصيل صغيرة حول تبادل الأراضى وشكل الدولة الفلسطينية، وأثناء توجهه لعقد الجلسة الأخيرة مع إيهود أولمرت وجد الشرطة الإسرائيلية تحيط منزله، وعلم منهم أنهم أتوا لاعتقال إيهود أولمرت بعد أن تم رفع الحصانة عنه بأمر قضائى بتهم تلقى رشوة.
تنحية إيهود أولمرت وبعد ذلك اعتقاله تم بشكل مفاجئ ودراماتيكى، وله مدلولات خطيرة، من أهمها أن الدولة العميقة لا ترغب فى الوصول إلى اتفاقية سلام مع الفلسطينيين لذلك تم إفشال هذه المحاولة لمنع الوصول لسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو يشبه إلى حد ما، ما حدث مع رئيس وزراء حكومة الاحتلال الأسبق إسحق رابين والذى وقع اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين وكان ينوى إكمال السلام مع الفلسطينيين فقررت الدولة العميقة اغتياله بتحريض وتسهيل العملية للمتطرف اليهودى إيغال امير فى الرابع من نوفمبر عام 1995م لتنتهى المحاولة الأولى لصناعة السلام بين الشعبين الفلسطينى والإسرائيلى، ثم عادت مرة أخرى الدولة العميقة لإفشال محاولة إيهود باراك الذى شغل منصب رئيس حكومة الاحتلال فى عام 1999م وحاول فتح ملفات عالقة مثل القدس واللاجئين عام 2000م فى قمة كامب ديفيد التى فشلت ولكنها فتحت أبوابًا حقيقية لحوار جرىء بين القيادة الفلسطينية والإسرائيلية ووضع حلول جريئة لها، ولكن فى لحظات حاسمة تم تنحية إيهود باراك والدعوة لانتخابات مبكرة وبالتالى أجهضت هذه المحاولة الثانية، وكانت محاولة إيهود أولمرت هى الثالثة والأخيرة حيث سيطر بعد ذلك وحتى اليوم بنيامين نتنياهو على صناعة القرار فى دولة الاحتلال الإسرائيلى وأعلن صراحة أنه ضد السلام مع الفلسطينيين وضد قيام الدولة الفلسطينية، وأنه يتبنى فكر زئيف جيبوتنسكى الذى أوصى عام 1933م بعدم صناعة السلام مع السكان الأصليين لضمان ترابط الدولة، وهذا يتماهى مع موقف الدولة العميقة فى إسرائيل وهذا سر التراخى فى حسم ملفات الفساد ضد بنيامين نتنياهو وعدم تنحيته حتى الآن، خاصة أن الدولة العميقة تخشى تفكك دولتهم وتفجر الصراعات الداخلية إذا انتهى الصراع العربى الإسرائيلى.
ورغم ما نراه من تجاذب بين الدولة العميقة وبنيامين نتنياهو إلا أنه بمثابة لعبة كراسى موسيقية، تضبط أوتارها ونغماتها بحرفية عالية.
لذلك أصبحنا جميعًا غير متفائلين بقبول دولة الاحتلال الإسرائيلى أى سلام حقيقى مع الشعب الفلسطينى ينهى الصراع، وقد كان الرئيس الراحل أنور السادات يعلم ذلك جيدًا، وقارئا جيدًا بعقلية الإسرائيليين لذلك أصر على إشراك الفلسطينيين فى عملية السلام لإنهاء الصراع وكان يأمل أن يفشل الاحتلال هذه المحاولة، ولكن للأسف حينها أضاع صناع القرار الفلسطينى هذه الفرصة التاريخية.
قد يكون استحضار التاريخ غير مجدٍ الآن، وعلى كل حال هذه المبادرة الجديدة لم تناقش بها الملفات الحساسة ولم توضع فى ثناياها معالجة لملف اللاجئين وحتى قضية القدس وآلية تقسيمها وفقط وضعت رؤية عامة تفضى لحل سياسى به مسارات تصل لقيام دولة فلسطينية تعيش بسلام بجانب دولة الاحتلال الإسرائيلى، من قدما هذه المبادرة لا يحملان أى صفة سياسية رسمية مما يجعل مقترحاتهما مجرد اجتهادات شخصية، ومحاولة لتحريك مياه السلام الراكدة منذ سنوات وتصدر مشهد الدم والعنف والإحباط للمنطقة بشكل عام فى ظل سيطرة اليمين على المشهد السياسى فى دولة الاحتلال، وتراجع عوامل الضغط الأمريكى على حكومات بنيامين نتنياهو المتتابعة.
قد تكون هذه المحاولة بلا تأثير، ورغم أن الأخ ناصر القدوة لا يحمل أى صفة سياسية إلا أن العديد هاجمه، رغم تأكيده مرارًا وتكرارًا أنها محاولة لفتح نافذة أمل لأجيال قادمة حتى لا يسود العنف وصناعة الكراهية وتغلق أى أبواب للسلام فى المنطقة لسنوات طويلة قادمة، وأن هذه المبادرة لا تحمل إلزامًا لأى جهة ما.
هذه المبادرة لاقت ترحيبا من الاتحاد الأوروبى وبالتحديد مسئول السياسة الخارجية فى الاتحاد الأوروبى جوزيب بوريل الذى التقى بالأخ ناصر القدرة وإيهود أولمرت وبعد أن اطلع على تفاصيل المبادرة باركها ووعد بتحرك أوروبى لتشجيع عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يدرك الجميع أن أوروبا تمتلك مفاتيح تأثير سياسية واقتصادية وأمنية ولكنها لم تستخدمها حتى الآن، تاركة الساحة للولايات المتحدة الأمريكية التى تقف مكبلة أمام تعنت اليمين الإسرائيلى، لذلك نأمل فى دور جديد وقوى وفعال لأوروبا لملء الفراغ التى تتركه الولايات المتحدة الأمريكية خلفها وضياع حل الدولتين نتيجة تردد الأوروبيين والأمريكان، وخلال مؤتمر مدريد الذى عقد بين المجموعة العربية والإسلامية لدعم القضية الفلسطينية وأربع دول أوروبية اعترفت بفلسطين مؤخرًا (إسبانيا، سلوفينيا، النرويج، أيرلندا) وعدت هذه الدول بالتحرك الجاد بدءا من اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة والتى ستعقد الأيام القادمة للتحرك لإنفاذ حل الدولتين والعمل على الوصول لصيغة دولية تفرض على الجميع وقف الحرب على الشعب الفلسطينى حتى الوصول لقيام دولة فلسطينية تعيش بسلام فى المنطقة.
قد تكون هذه المبادرة مجرد فكرة توضع فى ملفات الحفظ دون تحريك للسلام فى المنطقة ولكن محاكاة لواقعنا العربى والإسلامى ليس أمامنا سوى الانتظار عسى القادم يحمل أملًا جديدًا لشعب دمر الاحتلال كل مقومات الحياة لديه.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







