خواطر الشعراوي | التراضي في تربية الأبناء بعد الطلاق

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 233 من سورة البقرة حول قول الحق: «لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ» قائلا: ولازال الحق يُذكرُ الأب بأن المولود له هو، وعليه ألا يضر والدة الطفل بمنع الإنفاق على ابنه، وألا يتركها تتكفف الناس من أجل رزقه وكسوته، وفى الوقت نفسه يُذَكرُ الأم: لا تجعلى رضيعك مصدر إضرار لأبيه بكثرة الإلحاح فى طلب الرزق والكسوة.

إنه عز وجل يضع لنا الإطار الدقيق الذى يكفل للطفل حقوقه، فهناك فرق بين رضيع ينعم بدفء الحياة بين أبوين متعاشرين، ووجوده بين أبوين غير متعاشرين.. والحق سبحانه وتعالى يعطينا لفتة أخرى هى أن والد المولود قد يموت فإذا ما مات الوالد فمن الذى ينفق على الوليد الذى فى رعاية أمه المطلقة؟ هنا يأتينا قول الحق بالجواب السريع: «وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك».

اقرأ أيضًا | 4.5 مليون مشترك مصري خلال عام.. العلماء: تطبيقات المراهنة «قمار» محرم شرعًا

إن الحق يقرر مسئولية الإنفاق على من يرث والد الرضيع، صحيح أن الرضيع سيرث فى والده، لكن رعاية الوليد اليتيم هى مسئولية من يرث الوصاية وتكون له الولاية على أموال الأب إن مات. وهكذا يضمن الله عز وجل حق الرضيع عند المولود له وهو أبوه إذا كان حيًا، وعند من يرث الأب إذا تُوفى.

وبذلك يكون الله عز وجل قد شَرَّع لصيانة أسلوب حياة الطفل فى حال وجود أبويه، وشرع له فى حال طلاق أبويه وأبوه حيٌّ وشرع له فى حال طلاق أبويه ووفاة أبيه. ويتابع الحق: «فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا».

انظر إلى الرحمة فى الإسلام؛ فطلاق الرجل لزوجته لا يعنى أن ما كان بينهما قد انتهى، ويضيع الأولاد ويشقون بسبب الطلاق، فقوله تعالى: «عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ» دليل على أن هناك قضية مشتركة مازالت بين الطرفين وهى ما يتصل برعاية الأولاد، وهذه القضية المشتركة لابد أن يلاحظ فيها حق الأولاد فى عاطفة الأمومة، وحقهم فى عاطفة الأبوة، حتى ينشأ الولد وهو غير محروم من حنان الأم أو الأب، وإن اختلفا حتى الطلاق.

إن عليهما أن يلتقيا بالتشاور والتراضى فى مسألة تربية الأولاد حتى يشعروا بحنان الأبوين، ويكبر الأولاد دون آلام نفسية، ويفهمون أن أمهم تقدر ظروفهم وكذلك والدهم وبرغم وجود الشقاق والخلاف بينهما فقد اتفقا على مصلحة الأولاد بتراضٍ وتشاور.

إن ما يحدث فى كثير من حالات الطلاق من تجاهل للأولاد بعد الطلاق هى مسألة خطيرة؛ لأنها تترك رواسب وآثارا سلبية عميقة فى نفوس الأولاد، ويترتب عليها شقاؤهم وربما تشريدهم فى الحياة. وما ذنب أولاد كان الكبار هم السبب المباشر فى مجيئهم للحياة؟ أليس من الأفضل أن يوفر الآباء لهم الظروف النفسية والحياتية التى تكفل لهم النشأة الكريمة؟ إن منهج الله أمامنا فلماذا لا نطبقه لنسعد به وتسعد به الأجيال القادمة؟

والحق سبحانه وتعالى قال فى أول الآية: «والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» لكن ماذا يكون الحال إن نشأت ظروف تقلل من فترة الرضاعة عن العامين، أو نشأت ظروف خاصة جعلت فترة الرضاعة أطول من العامين؟ هنا يقول الحق: «فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا».

إنه جل وعلا يبين لنا أن الفصال أى الفطام يجب أن يكون عن تراض وتشاور بين الوالدين ولا جناح عليهما فى ذلك. ويقول الحق: «وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم ما آتَيْتُم بالمعروف»، و«أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ» أى أن تأتوا للطفل بمرضعة، فإن أردتم ذلك فلا لوم عليكم فى ذلك.

إن المطلق حين يوكل إلى الأم أن ترضع وليدها فالطفل يأخذ من حنان الأم الموجود لديها بالفطرة، لكن هب أن الأم ليست لديها القدرة على الإرضاع أو أن ظروفها لا تسعفها على أن ترضعه لضعف فى صحتها أو قوتها، عند ذلك فالوالد مُطالب أن يأتى لابنه بمرضعة، وهذه المرضعة التى ترضع الوليد تحتاج إلى أن يعطيها الأب ما يُسخِّيها ويجعلها تقبل على إرضاع الولد بأمانة، والإشراف عليه بصدق.

ويختم الحق هذه الآية الكريمة بقوله: «واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»، إن الحق يحذر أن يأخذ أحد أحكامه ويدعى بظاهر الأمر تطبيقها، لكنه غير حريص على روح هذه الأحكام، مثال ذلك الأب الذى يريد أن يدلس على المجتمع، فعندما يرى الأب مرضعة ابنه أمام الناس فهو يدعى أنه ينفق عليها، ويعطيها أجرها كاملا، ويقابلها بالحفاوة والتكريم بينما الواقع يخالف ذلك.

إن الله يحذر من يفعل ذلك: أنت لا تعامل المجتمع وإنما تعامل الله و«الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ».