إسلام عبدالخالق
«إسماعيل محمد عبدالصمد».. شاب مبتسم على الدوام، اجتمع على حبه الكل وكأنه الأقرب لقلوبهم، يحبونه وتصفو قلوبهم كلما يرونه، يتذكر الجميع كيف كان بمثابة الحلم الكبير يوم ارتدى تيشيرت القطب الأبيض في الكرة المصرية بين قطاع الناشئين في نادي الزمالك آنذاك، وكيف انتهى الحلم بغتة يوم تم تسريح الفريق، وكيف كانت الصدمة أكبر يوم توفى والده بعدها بعامين اثنين من صدمته في كرة القدم، ومدى إصراره على النجاح رغم المعاناة، وغربته بعيدًا عن الوطن لسنوات حتى عاد قبل أيام ليدعو الجميع لحضور حفل زفافه، لكن انتهت الحكاية بأشبه بدراما مأساوية بحق، وتساءل الجميع من أهل بلدته وقتها: «سُمعة مات يوم فرحه»!، لكنها إرادة القدر ولا نملك امامها إلا التسليم والصبر.
جاء إلى الدنيا قبل نحو ثلاثين عامًا، ومنذ طفولته كان صديقًا للجميع، كبار القرية وصغارها كانوا يحبونه وكأنه فردا من أسر الجميع، ومع بدايته كانت كرة القدم أكثر شيئًا أحبه حتى نصحه البعض بالذهاب إلى اختبارات الأندية لعله يُصبح لاعبًا محترفًا يومًا ما، ولم يُكذب «إسماعيل» خبرًا ومضى في طريقه لاختبارات نادي الزمالك، وبالفعل قبل بين فريق الناشئين بالنادي مواليد 1994.
مع بداية تحقيق خطوات حلمه الأولى في كرة القدم كان «إسماعيل» يحاول تفسير سر إعجابه بالفتاة التي رق لها قلبه وهام فيها دونًا عن بنات القرية، واستمر الإعجاب داخله لسنوات، حتى جاءت صدمته الأولى بقرار نادي الزمالك ممثلًا في مجلس إدارته بتسريح الفريق الذي يلعب له «سُمعة».
عانى «إسماعيل» الأمرين وكانت صدمته كبيرة إلى الحد الذي جعله أشبه بمن يترنح بعدما كان قد بنى مستقبله على لعب الكرة كونه ذو موهبة يشهد بها الجميع، لكنها الدنيا لا تعطي محتاجًا ولا تكافئ مجتهدًا حين يتعلق الأمر بقراراتٍ مصيرية بالنسبة له.
مرت الأيام والشاب يكد ويعمل عسى أن تتبدل أيامه إلى الأفضل، لكن صدمته التالية كانت أكبر وأقسى؛ بعدما توفى والده تاركًا له الدنيا دون سند يقوى به ظهره إلا والدته والفتاة التي أحبها وتأكد من حبها بصدق حين ضاقت الدنيا به، وخلال أشهر ليست بالطويلة اتخذ «إسماعيل» قراره المصيري نوعًا ما بالسفر والعمل في إحدى الدول العربية، في غُربة استمرت طيلة خمس سنوات حتى أكرمه الله وتبدلت ظروفه بكثير إلى الحد الذي مكنه من تأسيس مسكن الزوجية الذي سيجمعه أخيرًا بحبيبته وشريكة حياته وزوجته، ولأجل ذلك أعد حساباته حتى تخرج الأمور على أفضل ما يكون.
عاد «إسماعيل» من غُربته قبل عشرة أيام من موعد زفافه الذي اختار مكانه في أحد المناطق الراقية في محافظة القاهرة، وطبع دعوة الزفاف وأرسلها للجميع متضمنة الموقع الجغرافي لحفل الزفاف، وأخذ يزور الجميع للتأكيد على أهمية الحضور، قبل أن يختتم جولاته برسالة حملت كل ما يملأ قلبه، نشرها عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي قبل ساعات من الزفاف: «إن شاء الله فرحي بكره وأنا رصيدي في الدنيا إخواتي وأصحابي.. مستنيكم نفرح مع بعض وآسف لو نسيت أعزم حد».
اللحظات الأخيرة
سارت عربات المعازيم وحضر الأهل والأقارب والأصدقاء إلى الڨيلا التي كانت شاهدة على حفل الزفاف داخل أركانها، لكن قبيل نهاية الحفل أخذ العريس «إسماعيل» يتألم كمن شعر بوخزة أسفل صدره، لكنه تحامل على نفسه وطمأن أصدقاءه ومن لاحظ آلامه بأنه على ما يُرام، وأن الأمر لا يعدو كونه «شد عضل».
انتهى الحفل وبدأت أصوات «الزفة» تعلو إيذانًا بمغادرة العروسين المكان في طريقهما إلى «عش الزوجية»، لكن العريس كان حثيث الخطى رغمًا عنه وكأن ما أصابه لا يمت لـ «شد العضل» بصلة على الإطلاق، حتى ركب سيارة الزفاف بجوار عروسته وبدأت السيارة طريقها مصحوبة بالزغاريد وعلت أبواق السيارات الأخرى بأصواتها للتعبير عن الفرح والسرور بزفاف العروسين.
ما أن سارت عربة الزفاف بعيدًا عن قاعة الحفل حتى لاحظت العروس تبدل حال عريسها وكيف كان يداه ترتجفان بخفوت، قبل أن تهدأ حركته بشكل مفاجئ وكأنه قد دخل في غيبوبة، لتتوقف السيارة ويصمت الجميع قبل أن يعلو صوت الهمهمات وتصدح الهواتف بين الأهل والأصدقاء استفسارًا عن أقرب مستشفى للاطمئنان على «العريس».
«العريس الله يرحمه مات».. عبارة خرجت قاسية على آذان الجميع وهم يسمعونها على لسان أحد أطباء معهد ناصر بعدما أجرى الكشف الظاهري على جثمان «إسماعيل»؛ ليتحول المشهد إلى أقسى ما يمكن وصفه من حالات الحزن والأسى والجميع غير مصدق أن من يلبس لباس الفرح قد أضحى في عِداد الأموات وعليهم أن يجهزوا جنازته بدلًا من زفافه إلى عروسته.
وسط خيوط الظلام المحيطة بمستشفى معهد ناصر وسط القاهرة، أخذت الأعداد في التوافد والجميع يحوقل غير مصدقً ما جرى وحدث، الكل هدفه المستشفى والوصول، لكن فور الوصول يقف كمن شل الحزن حركته وجعل منه تمثالًا لا يقوى إلا على البكاء غير مصدق أن حبيبهم الذي يعرفونه بـ «سُمعة» قد غادرهم دون رجعة.
سويعات قليلة فصلت بين وصول العريس إلى المستشفى وخروج جثمانه في طريقه إلى منزل أسرته قبل أن يستكمل الجسد رحلته الأخيرة إلى المسجد الكبير في قرية سنهوا التابعة لنطاق مركز منيا القمح في محافظة الشرقية، قبل صلاة ظهر الأربعاء، ومع الحضور توافد الناس بالآلاف من أهالي القرية والقرى المجاورة والأصحاب والأحباب يودعون فقيدهم الشاب.
انتهت صلاة الظهر وبدأ الجميع في الاصطفاف في صفوف قريبة للغاية من بعضها البعض، في أعداد مؤلفة كادت تُغلق الطريق من وإلى المسجد، ورفع الإمام يداه إيذانًا ببدء صلاة الجنازة على الجثمان، وما بين الدعوات والبكاء المحبوس في جوف المصلين انقضت صلاة الجنازة، قبل أن يقف الجميع في صمت انتظارًا لتنظيم الصفوف المحيطة بالمسجد وإفساح الطريق لخروج الجثمان محمولًا على أعناق محبيه من المشيعين في طريقه إلى مثواه الأخير.
لحظات قليلة واعتلى النعش أكتاف الحضور، وبدأ المئات يتبادلون حمل النعش ودموعهم تفيض وهم يحوقلون ويوحدون الله بين الحين والآخر في طريقهم إلى مقابر القرية، في مشهد من الصعب أن تحصره عدسة الكاميرا لزيادة المشيعين وضيق الطريق رغم طوله نوعًا ما.
وصل الجثمان إلى محطته الأخيرة أمام قبر صاحبه، وما أن بدأت مراسم الدفن حتى علا صوت والدة العريس الشاب خلف الجموع: «فرحك في الجنة يا ضنايا.. مع السلامة يا ابني»، قبل أن يعلو لسانها ويخفت بالحوقلة والدموع التي بدت وكأنها تخرج من أبعد نقطة في روح صاحبتها، وإلى جوار الأم كانت العروس حبيبة حبيبها «علا» عاجزةً عن النطق ولا تفعل غير البكاء وكأنها تنازع الموت والحزن معًا، قبل أن يعلو صوت أحد المشايخ في خطبة لوعظ الحضور: «العريس مات وكلنا سيموت فافعلوا لآخرتكم وتجهزوا للقاء الواحد الأحد».
اقرأ أيضا: على طريقة عريس الدقهلية.. عروس تتدعي وفاة عريسها في ليلة الزفاف
حملات أمنية مكثفة تُسقط عصابات سرقة المواد البترولية وبيعها في السوق السوداء
أبناء آخر زمن.. 22 ألف جنيه وراء إخفاء المتهم جثمان والدته داخل صندوق من الأسمنت
مناقشة حول مشروع قانون الأحوال الشخصية





