ستفتقدك جلسات الصلح و حفلات عقد القران أيها الشيخ الجميل الجليل.
وُلْدَ كبيراً ويكأنه لم يمر بمرحلة الطفولة والشباب كسائر الناس وظل كبيراً منذ الميلاد وحتى الممات.ذلك هو ابن عمى محمد ابراهيم عفيفى المحدث العلامة شيخ البياضية وفارسها المفوّه.فى البدء أحببته من شدة حب أبى له.
كنت فى ذلك الزمن طفلاً صغيراً وكان هو شاباً يافعاً،كانت زيارته لبيتنا من الأشياء التى تسعد أبى كثيراً،كان يفرح وهو يقول لى بفخر وحب:الشيخ محمد ابراهيم عفيفى إبن عمك سوف يزورنا اليوم.
أدركت مع الأيام أن هذا الحب ليس فقط لأن الشيخ محمد هو الابن الأكبر لعمى ابراهيم عفيفى الذى هو ابن خال أبى وتوأم روحه وصديقه المقرب، ولكن لأنه كان هو لذاته أهلاً لكل حب واحترام.لم يكن أبى فقط الذى يحبه بل كان كل الناس يفعلون، ليس على مستوى بلدتنا البياضية عاصمة مركز الأقصر فقط ولكن على مستوى الصعيد كله حيث اشتهر بدماثة الخلق وطيبة القلب ونقائه.اكتسب لقب شيخ منذ صغره.
التف الناس حوله ووجدوا فيه نموذجا لرجل الدين الحقيقى الهاش الباش الذى لم يعرف العبوس إلى وجهه طريقاً.حتى فى أشد لحظات الشدة أو الألم يستقبل الجميع بابتسامة محب للناس الذين بادلوه حباً بحب.كان يقدر الصغير قبل الكبير فاحتل بيننا مكانة مميزة هو أهل لها وزيادة.لم يخاطبنى ابداً كلما التقينا رغم فارق السن بيننا سوى بأهلا بابن عمى الأستاذ هشام.أشعر بالخجل واضحك مداعباً له بأننى لست استاذاً ولا حاجة فيبتسم وهو يؤكد أنه لا يرانى إلا استاذاً بل وكبيرا جداً!
كنت أحب حضور حفلات عقد القران فى دواوين البياضية ومساجدها لأنى أضمن أنى سألتقى به،استمتع برصد تفاصيل لحظة دخوله للمسجد متألقاً فى جلبابه البلدى،تزين رأسه عمامة كبيرة مميزة، وممسكاً بيمينه عصا يتوكأ عليها رغم شبابه ودون حاجة مرضية بل كما قال لى عندما سألته عنها أنها سنة عن حضرة النبى صلى الله عليه وسلم.يصمت كل المعازيم فور رؤية الشيخ محمد إبراهيم يقدمونه للمحراب ليستمعوا منه إلى خطبة النكاح فيحدث الناس عن سنة الزواج ويحض الآباء على التيسير على الشباب وتمكينهم من الزواج درءاً للفتن.
لم يكن الشيخ محمد مأذوناً رسمياً لكن كل مأذون رسمى يكتفى بإتمام إجراءات عقد القران الورقية ثم يفسح المجال لابن عمى الشيخ محمد ليلقن العريس ووكيل العروس صيغة الزواج الشرعية،أما فى جلسات الصلح بين العائلات فكانت كلماته الهادئة الصادقة كفيلة بإذابة أية خلافات،تأتى نبرة صوته برداً وسلاماً على قلوب المتخاصمين.
فكان كل طرف يحرص على وجوده فى مجالس الصلح وحل الخلافات لضمان التوصل لحلول يرضى بها جميع الأطراف.لا أذكر ابداً أننى سمعت الشيخ محمد ابراهيم عفيفى ينطق بحرف خارج أو لفظ جارح بل كان طيلة حياته عف اللسان جميل السيرة والسريرة.وحتى عندما بدأ رحلته المرضية الطويلة لم يصدر منه أى تبرم أو اعتراض على قضاء الله بل تسلح بابتسامة على الوجه و بالتسابيح والأذكار على اللسان ولم يبخل حتى وهو فى أشد لحظات المرض بابتسامة صافية رائقة فى وجوه الزائرين مؤكداً لهم أنه بخير لأن قضاء الله كله خير.
ستبكى عليك منابر البياضية ومساجدها يا ابن عمي، و ستفتقدك جلسات الصلح و حفلات عقد القران أيها الشيخ الجميل الجليل.سيغيب صوتك الصداح عن المايكروفونات التى طالما استقبلت نبراتك واعظاً للناس مشاركاً لهم فى أفراحهم مواسياً لهم فى أتراحهم،تتقدم الجنازات لتصلى عليها وتتبعها حتى تستقر فى مرقدها.يغادر المشيعون المقابر وتأبى أنت أن تغادر قبل الجلوس ساعة أو أكثر تدعو للميت وتقرأ على قبره سورة ياسين.والآن وإن كنا نودع جسدك الطاهر فعزاؤنا أن أخلاقك ودروسك التى غرستها فى قلوب كل محبيك ستظل دائما تتردد بداخلنا إلى أن نلتقى فى الجنة بإذن الله لقاء ليس بعده فراق مع كل الأهل والأحباب الذين سبقونا.الوداع يا شيخنا الجميل الجليل نحسبك من الشهداء ولا نزكيك على الله.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







