خرجتُ من منزلى فى التجمع الخامس بالقاهرة مبكرًا جدًا. كنتُ فى طريقى إلى العلمين. هذه أول مرة أذهب إليها، وللأماكن البِكر فى نفوس الفلاحين مثلى إيقاعٌ خاص. ولهذا تنبَّهت حواسى الخمس لكل ما تقع عليه العين. وحمدت الله أننى فى هذا العُمر المُتقدِّم الذى تجاوزت فيه الثمانين كُتِبَ لى أن أرى ما لم أره من قبل من بلادى الجميلة التى أذوب عِشقًا فيها. وأعتبرها أعظم البلاد التى خلقها الله سبحانه وتعالى.
سرنا فى الطريق الذى يوصِّل بين القاهرة والإسكندرية، ثم توجهنا لطريق العلمين. وانطلقنا بالسرعة المطلوبة وأنا سعيدٌ لأن اكتشاف مكان لم أذهب إليه من قبل يولّدُ فى النفس حالة من النشوة والسعادة والاستعداد للجديد. فمنذ طفولتى وأنا أسمع فى قريتى أن مرسى مطروح باعتبارها آخر مكان يُمكن أن تذهب إليه.
السيارات حولى كثيرة. وإن كنتُ قد لاحظت أن من يذهبون إلى العلمين أكثر ممن يعودون منها. ولاحظت أن الطريق منذُ أن عرجنا من طريق مصر اسكندرية الصحراوى أصبح خالياً من المزروعات والبشر والحياة اليومية. قليلةٌ هى الأراضى الزراعية. وقليلة جداً هى المبانى التى تُبشِّر بأن نبنيها ذات يوم.. سرتُ فى طريقٍ كله سيارات. والطريق المجاور العائد من العلمين للإسكندرية ومنها للقاهرة عدد الركاب أقل. ولم أُصدِّقُ نفسى عندما مررنا على كافيتريا فيها كل ما يخطُر على البال. وكأنك لم تُغادر القاهرة. بل ربما كنت فى أحد أحيائها المأهولة وأنت لا تدرى.
لاحظتُ أن الأسعار مثل القاهرة وتوافر المواد الغذائية أكثر منها. وقلتُ لنفسى: عمار يا مصر. ونظر الذى أمامى والذى خلفى إلىَّ باعتبارى أقول كلاماً لا يصلُ إليهم. وبعد الأخذ والرد والعطاء وربما التعارف أدركوا ما قلته، وأكدوا عليه كثيراً جداً. فقط كانتا أسرتين أوربيتين ذاهبتين إلى العلمين لقضاء فترة إجازة أسبوع ليكتشفوا هذه الأرض الجديدة التى أصبحت حقيقة واقعة فى أرض مصر خلال فترة وجيزة.
ولأننى قروى وُلِدتُ فى قرية وعشتُ طفولتى وصباى وشبابى فى نفس القرية التى هى الضهرية مركز إيتاى البارود محافظة البحيرة. ويقولون عنها إن من وضع حجر أساسها كان الظاهر بيبرس بكل تاريخه. ولهذا أبحث عما تركه لنا التاريخ فى كل مكان أذهبُ إليه.
وفى تعريفى للإنسان المصرى أنه يتميز عن غيره بأنه إنسانٌ له تاريخ. يعرفه حتى العامَّة من الناس. ويفتخرون به، ويباهون الدنيا بأن مصرنا العزيزة فيها ما لا نجده فى غيرها. بعد أن انتهينا من طريق مصر إسكندرية الصحراوى ودخلنا طريق العلمين الصحراوى أيضاً، لاحظتُ بعض البنايات الجديدة وبعض المزروعات الخضراء ومقدمات الحياة اليومية التى امتاز بها الإنسان المصرى على مر الزمان.
قلت لنفسى: عظيمة يا مصر يا أم النعم/ يا مهد الحضارة يا بحر الكرم/ نيلك دا سكر.. جوك معطر/ بدرك منور بين الأمم.
وصلت بالسلامة.

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







