الصمت الاختيارى أبرز المضاعفات.. والعلاج النفسى يحتاج لسنوات
فى كثير من الأحيان، يكون الأطفال شهودًا صامتين على الخلافات الزوجية التى تدور فى المنزل، وهم لا يمتلكون القدرة على التعبير عما يشعرون به أو فهم ما يجرى من حولهم. هذه الخلافات، التى قد تبدو للبعض جزءًا طبيعيًا من الحياة الزوجية، يمكن أن تكون لها آثار عميقة ومدمرة على نفسية الأطفال، لأنها قد تبدو عابرة أو غير مؤثرة، لكنها تترك بصمات عميقة تؤثر على نموه العاطفى والنفسي، وقد تقوده إلى سلوكيات غير متوقعة ومشاكل نفسية تستمر معه لسنوات.. فى السطور التالية نتناول خلالها التأثيرات المختلفة للخلافات الزوجية على الأطفال، وكيفية تفادى تحويل خلافاتنا إلى عواقب وخيمة على حياتهم ومستقبلهم.
د. منى يسرى، استشارى علم نفس اكلينيكى ومستشار أسرى تؤكد أن الأطفال يتعلمون الكثير من الأمور الحياتية من خلال ملاحظتهم لتصرفات الأهل، وهذا يجعل من الضرورى أن يشهد الأطفال اختلافات ذات احترام بين الوالدين، حيث يتعلمون من خلال هذه التجارب كيفية حل الخلافات بطريقة متحضرة وباحترام متبادل. ولكن عندما يتحول الخلاف بين الزوجين إلى ساحة للإهانة، فإنه يؤدى إلى آثار نفسية سلبية على الأطفال فى مختلف مراحلهم العمرية.
الخلاف متاح والحب ممنوع
ومن أكبر المشاكل فى المجتمعات العربية هى السماح بإظهار الخلافات الزوجية أمام الأطفال، ورفض التعبير عن مشاعر الحب بينهم فى المقابل، وهذا السلوك يؤدى إلى تشكيل فكرة سلبية لدى الطفل عن الزواج، وقد يتسبب فى تخوفهم من فكرة الزواج أو رفضها تمامًا فى المستقبل. كما أن الأطفال يميلون إلى تقليد ما يرونه من سلوكيات، فإذا شاهدوا الإهانة بين الوالدين، قد يتبنون نفس الأسلوب فى تعاملاتهم مع الآخرين، أو يعانون من اضطرابات نفسية مثل الخوف والقلق.
حالات من العيادات
وتشير د. منى أنها واجهت الكثير من الحالات النفسية التى يعانى منها الأطفال بسبب الخلافات الزوجية، وعلى سبيل المثال أزمة الصمت الاختياري، حيث أن الطفل يرفض التحدث أمام أشخاص معينين، ولم يكن هناك سبب واضح لهذا السلوك، وبعد الكشف والتحدث مع الطفل، تبين أن الطفل كان شاهدًا على شجار بين والديه وحدث له نوع من الصدمة النفسية التى جعلته يفضل الصمت فى كثير من الأحيان.
بينما حالة أخرى أصبحت تعانى من فوبيا الخوف غير المبرر، فقد يخاف الطفل من النباتات المنزلية على سبيل المثال، وبعد الجلسات التحليلية، تبين أن الطفل كان قد تعرض لموقف مخيف حيث قام أحد والديه بالصراخ وإلقاء النبات أثناء الشجار، فهذا التصرف البسيط رسخ فى ذهن الطفل كرمز للخوف تسبب فى تطوير فوبيا غير مبررة لدى الطفل، احتاجت لسنوات من العلاج النفسى لتجاوزها.
وهناك أيضا من يعانى من الانطواء ومشاكل النوم، فقد تعرضت طفلة لمشاهدة خلافات متكررة بين والديها، مما جعلها تشعر بعدم الأمان والخوف، هذا أدى إلى فقدانها الثقة بنفسها وتجنبها التواصل مع الآخرين، وأثر ذلك على حياتها بشكل واضح.
اقرأ أيضًا| «قتلها وجلس جوار جثتها».. عامل ينهي حياة زوجته خنقاً بالخانكة
الاحترام مطلوب
لذا تنصح د. منى بأن يختار الأزواج بعناية المواضيع التى يناقشونها أمام الأطفال، لتعليمهم كيفية حل الخلافات بشكل صحي، وإذا كانت المشاكل بين الزوجين تسبب ضغطًا نفسيًا كبيرًا على الأطفال، فيجب الامتناع عن مناقشتها أمامهم تمامًا. فالاختلافات بين الوالدين يمكن أن تكون جزءًا طبيعيًا من الحياة، بشرط أن يتم التعامل معها باحترام ودراية، ليكبر الأطفال وهم يفهمون أن الحياة تحتوى على السعادة والاختلاف، ولكن دائمًا فى إطار الاحترام المتبادل.
الشعور بالذنب
من جانبها، ترى د. منار حسن، استشارية نفسية وتربوية، أن الخلافات الزوجية يمكن أن تترك تأثيرًا يتجاوز الزوجين، مما يؤثر بعمق على الصحة العاطفية والنفسية للأطفال الذين يجدون أنفسهم فى وسط هذه النزاعات، فالأطفال يمتلكون قدرة عالية على الاستشعار، وغالبًا ما يلتقطون التوتر والقلق بين والديهم حتى قبل أن يكونوا قادرين على التعبير عن مشاعرهم.
مشيرة إلى أن التداعيات العاطفية لهذه الخلافات قد تتسبب فى مشاعر القلق والارتباك والشعور بالذنب لدى الأطفال، حيث يعتقدون بشكل خاطئ أنهم السبب وراء تلك النزاعات، وقد أثبتت الأبحاث أن التعرض المستمر للصراعات يمكن أن يزعزع شعور الطفل بالأمان، مما يؤدى إلى صعوبات فى بناء العلاقات، مشاكل تتعلق باحترام الذات، وصعوبات دراسية.
التواصل المفتوح
منوهة إلى أن الطريقة التى يتعامل بها الآباء مع خلافاتهم تعد مثالًا مؤثرًا لأطفالهم، حيث أن الأطفال يتعلمون كيفية حل النزاعات، التواصل، والتنظيم العاطفى من خلال مراقبة سلوكيات والديهم، وعندما تتصاعد الخلافات إلى حد العداء، يمكن أن يستوعب الأطفال هذه الأنماط السلبية ويظنون أن هذا السلوك مقبول فى علاقاتهم المستقبلية.
لذا من الضرورى أن يدرك الآباء أهمية الحفاظ على بيئة منزلية سلمية، حتى فى ظل الخلافات، من خلال إعطاء الأولوية للتواصل المفتوح وإظهار مهارات حل النزاعات، يمكنهم تقليل الآثار السلبية للخلافات الزوجية على أطفالهم وضمان نموهم فى جو مفعم بالحب والتفاهم وتعزيز بيئة داعمة داخل الأسرة لا يعود بالفائدة على الأطفال فحسب، بل يقوى أيضًا العلاقة بين الوالدين أنفسهم.
أما عن أهمية التواصل فى حل النزاعات، فإن تخصيص لحظات محددة لمناقشة القضايا المتراكمة بدلًا من السماح لها بالتفاقم يمكن أن يشجع على التواصل المفتوح ويقلل من احتمالية حدوث خلافات حادة، ومن المفيد أيضًا إشراك الأطفال فى هذه المحادثات بناءً على أعمارهم ومستوى نضجهم، حيث يمكن أن يساعدهم فى فهم أن الخلافات جزء طبيعى من العلاقات، بشرط أن يشهدوا التعامل معها بعناية واحترام.
اجتماعات أسرية
وأخيرًا، يمكن تعزيز بيئة أسرية يكون فيها الحل الصحى للنزاعات جزءًا أساسيًا من الحياة العائلية، من خلال تنظيم اجتماعات أسرية دورية للتعبير عن المشاعر والتحديات بشكل منتظم، وأيضًا بتنويع هذه الاجتماعات بين حل النزاعات والأنشطة الترفيهية، فهذا يعزز مهارات التواصل والتعاون ويؤسس أساسًا قويًا للتعامل مع التحديات بشكل فعّال عندما تنشأ الخلافات.
«منّة».. درويشة فى عالم المولوية
«عمر» إرادة ضد الإعاقة
صيام الأبناء تغذية سليمة وتهيئة نفسية







