يوسف القعيد أبرز الحرافيش يكتب:نجيب محفوظ فى مرآة هؤلاء

نجيب محفوظ فى مرآة هؤلاء
نجيب محفوظ فى مرآة هؤلاء


اقترب منه والتصق به، وأصبح من الدائرة المحيطة، ليس فقط باعتباره أحد الحرافيش الجدد، ولكن كعاشق لروح نجيب محفوظ ، ومتيم بعالمه، وبصماته، وأسير لحكمته لذا قربه أديبنا العالمى الذى تحل ذكرى رحيله عن دنيانا بعد أيام قليلة، ورأى فى الأديب الكبير يوسف القعيد وجهًا أصيلاً معبرًا عن الروح المصرية التى لطالما دار فى فلكها معبرًا عنها، وقد اختار القعيد الحرفوش البارز فى هذه الذكرى أن يرصد - من خلال أحدث رسالة علمية عن أعمال صاحب نوبل - كيف انعكست بصمات محفوظ على مرايا الباحثين، والنقاد، وكيف وصفوا إبداعاته الباقية، وأعماله الفذة التى ستظل ماثلة أمام الأجيال تؤكد حضور صاحبها دومًا.

نحن على أبواب ذكرى رحيل نجيب محفوظ عن عالمنا «11 ديسمبر 1911 - 30 أغسطس 2006». كانت أيامًا مريرة ومُحزنة، وتأخذ الإنسان من دنياه إلى فكرة الموت الذى اختطف منا من أحببناهم وتعلمنا منهم. وهذا يدفعنى إلى العودة لأيامى وذكرياته معه وأنا أتعلم منه.
أكتب الآن عن أدبه لاستحضاره فى وجداننا. وأعتقد أنه سيظل كذلك لسنوات طويلة قادمة. وآخر ما نوقش عنه كان رسالة الدكتوراه التى قدمها الشاب الذى أصبح دكتورًا: خالد عبد الجبار الدردير عاشور. واسم شهرته كمذيع وكاتب درامى: خالد عاشور، وعنوانها: الحركة النقدية فى مصر حول أدب نجيب محفوظ. أشرف عليها بكلية دار العلوم جامعة الفيوم - مع حفظ الألقاب العلمية - محمد حسن عبد الله. ومصطفى الضبع وشارك فى المناقشة: يوسف نوفل وأحمد درويش. ولجابر عصفور دراسة قديمة. عن نقاد نجيب محفوظ. كان لها فضل السبق لدراسة هذا الموضوع الهام.
وقد التزم خالد عاشور بحياد العالم. وموضوعية الباحث ولذلك لا يمكن وصف رسالته بأنها أسست لعلم جديد هو: نقد النقد. وإن كان قد توقف - حائرًا - أمام بعض الظواهر الغريبة فى نقد محفوظ. التى توشك أن تصل لحدود التناقضات. فرواية بداية ونهاية فى نظر عبد القادر القط رواية رائعة. وإن كانت فى نظر عبد المحسن طه بدر رواية ناقصة الأركان.


ورواية اللص والكلاب فى نظر لطيفة الزيات. فتح جديد فى الرواية العربية. وهى فى نظر عبد القادر القط رواية أقل. هذا على الرغم من أن النقاد الثلاثة يتقاربون فى الاتجاه النقدى. كما أن الباحث لاحظ إسباغ هالة من القداسة على نجيب محفوظ ونتاجه الأدبى بعد حصوله على نوبل (أكتوبر 1988) وإن كان الرجل يستحق هذه الهالة فى المحافل الثقافية. فإن الناقد ما كان له أن ينساق وراءها. لأن مهمة النقد تقوم على انعزال الناقد عن الحياة العامة. أى أن النقد يتم وفقًا لمعايير علمية. وليس لعاطفة شخصية أو قومية.


أعتقد أن الباحث كان سعيد الحظ لكثرة المراجع. كتب أو مقالات أو فصول من كتب عن نجيب محفوظ. وكثرتها تلفت النظر. لقد أورد أرقامًا لأعداد الكتب وأعداد المقالات. وفرت له مادة علمية شديدة الثراء والغزارة والتنوع. لكن هذا الزحام فى المادة يمكن أن يتم على حساب التحليل والدرس المتأنى لهذه الظاهرة المهمة.
أختلف مع صاحب الرسالة فى تقسيمها. لقد قسم النقد لأيدولوجى إما ماركسى أو دينى. ونقد نفسى فسر العمل الأدبى أو العملية الإبداعية على أسس نفسية. أو نقد نصى اعتمد على التجربة الجمالية فى قراءة الرواية. أو المنهج فى قراءة الرواية. وهذه التقسيمة لا تستوعب مسيرة النقد الأدبى المصرى مع نجيب محفوظ. الذى استمر منذ أربعينيات القرن الماضى حتى الآن. أى حوالى 60 سنة. أيضًا فإن التقسيم لا يستوعب  تطور النقد الأدبى عبر هذه السنوات التى تزيد على أكثر من نصف قرن.


موضوع الرسالة يدور حول نقد ونقاد نجيب محفوظ فى مصر ولكن الباحث كتب فصلاً فيه تجاوز دوره وتعدى حدوده. ربما لأنه لم يجد من يقوم به من النقاد الذين درس كتاباتهم حول نجيب محفوظ. وذلك فى الفصل الخامس من دراسته. والتى خصصه لإشكالية دراسة مراحل الإبداع عند نجيب محفوظ. فهو يقترح هذه المراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة الثلاثية. وتبدأ برواية عبث الأقدار 1939. وتنتهى بالثلاثية 1957. وتضم رادوبيس 1943. كفاح طيبة 1944. خان الخليلى 1945. القاهرة الجديدة 1946. زقاق المدق 1947. السراب 1949. بداية ونهاية 1950.
المرحلة الثانية: مرحلة أولاد حارتنا. وتبدأ برواية: أولاد حارتنا 1959. وتنتهى بميرامار. وتضم اللص والكلاب 1961. السمان والخريف 1962. الطريق 1964. الشحاذ 1966. وثرثرة فوق النيل 1966.
المرحلة الثالثة: مرحلة الحرافيش. وتبدأ بالمرايا 1971. وتنتهى بملحمة الحرافيش 1977. وتضم: الحب تحت المطر 1973. الكرنك 1974. حكايات حارتنا 1975. قلب الليل 1975. حضرة المحترم 1975.
المرحلة الرابعة: وتبدأ برواية عصر الحب 1980. وتنتهى برواية قشتمر 1988. وتضم أفراح القبة 1981. وليالى ألف ليلة وليلة 1982. والباقى من الزمن ساعة 1982. وأمام العرش 1983. ورحلة ابن فطومة 1983. والعائش فى الحقيقة 1985. ويوم قتل الزعيم 1985. وحديث الصباح والمساء 1987.


وهو التقسيم الذى أختلف معه تمامًا. ومع هذا يبقى لهذه الرسالة السبق فى تناول موضوعها رغم كثرة ما قُدِّم عن نجيب محفوظ من رسائل جامعية سواء فى حياته أو رحيله المؤلم لنا جميعًا عن حياتنا. فقد كان رجلاً صاحب تجربة أدبية دخلت تاريخنا وتساوت مع تجارب طه حسين وتوفيق الحكيم والعقَّاد وغيرهم من الرواد الأوائل.
رحم الله  الجميع رحمة واسعة بما قدموه لنا من طُرقٍ مُعبَّدة سارت الأجيال عليها.