يا خبر أسود، هذا حَمَّام السيدات إذن!، اللعنة على القصور الفاخرة والحمّامات القديمة وعلى ذلك النادل النذل
الحدث كان غفيرًا فى قاعة تراثية فخمة جدًا بأحد فنادق الأقصر القديمة، المطعم العريق امتلأ عن آخره بالمسئولين والضيوف المصريين والأجانب، تستطيع القول بأنهم عِلية القوم وسادته، وكل بذلة تحمل على أكتافها وياقتها عطرًا هَفَّهافًا يشى بأناقة صاحبه.
للتحرك أصول فى هذه المناسبات كأنك مثلًا يتوجب عليك اليقظة والحيطة، فلا يمكنك تجاوز مسئول دون أن تحييه وترحب به كأنه فى ساحة بيتك، لئلا يفطن إلى عبورك-دون أن تراه-ويتهمك بعدها بتعمد تجاهله، تستهلك هذه العملية وقتًا طويلًا لإنجازها، وتلعب الطبيعة لعبتها واحتياجات الجسد أولى من السلامات والتحيات.
فى طُرقة طويلة سألت النادل: أين الحَمَّام؟، أجاب: حضرتك آخر الطرقة ستجد سلمًا ضيقًا، تنزل تحت ستجده على اليمين. قالها النادل بأدبٍ شديد وتركنى أعتمد على ذاتي، اجتهدت فيما قال حتى وصلت الطرقة السفلى، ظنى أنها كانت دهليزًا لمرور الخدم والحشم وسكان الطبقات الدنيا فى وقتٍ قديم، ولم تكن مُعدة لمرور الضيوف والسادة، لكنها طبيعة إعادة استغلال المبانى الأثرية حيث يفرض المبنى شروطه لا المهندس المصمم.
بعد نحو عشر دقائق ذهابًا وايابًا فى هذا الدهليز الطويل جدًا وجدت-بالصدفة-بابًا صغيرًا جدًا دلفت إليه بنعومة، أخيرًا أحب لحظات الراحة قد بدأت، بعد الباب الرئيس لبهو الحَمَّام تنتصب أبواب ثلاثة خلف كل واحد منها دورة مياه مستقلة، انفردت بواحدةٍ منها وأحكمت الباب الداخلى ورُحت أتأمل ارتفاع السقف وأناقة البنيان وشياكة العمران ورُحت أتحسر على عقودٍ مضت كانت تنعم بالفخامة.
سمعت صرير الباب الخارجى ينفتح والأمر لا يعنينى أنا فى عالم آخر، لحظات أخرى ويتكرر نفس الصرير لأسمع بعدها همهمات لأصوات نسائية، ثم تخبو الهسهسة وتعلو لتصير صوتًا واضحًا.
يا خبر أسود، هذا حَمَّام السيدات إذن!، اللعنة على القصور الفاخرة والحمّامات القديمة وعلى ذلك النادل النذل الذى أنزلنى إلى ذلك الدهليز الخفى وتركني.
كيف سأخرج من هنا وما الحل وماذا إذا عرفت النسوة بالخارج أن فى الداخل رجلًا ويا لهول المصيبة ـ إنه صحفى، ثم الكارثة الكبرى لو عرفن أنه سمع ما لايتوجب سماعه عن سقوط رموش إحداهن وانكسار كعب أخرى أو انقطاع أشياء لا ينبغى لى معرفتها، كلها أسئلة عصرت ذهنى فى لحظة، ولا إجابة واحدة لأى منها، ولا شيء أملكه سوى الانتظار حتى تهدأ الأمور وتحل النساء بالخارج أزماتها فى عجالة وتغادرن حتى أغامر أنا وأخرج.
بعد دقائق مرت عليَّ سنوات بالداخل، قرأت خلالها فى سرى ما تيسر من آيات وأدعية الستر، هدأت الأمور بالخارج، وصار من الممكن فتح الباب الداخلي، ولكن ماذا إذا عبرت هذه الخطوة وانفتح فى لحظتها الباب الخارجى لتدخل سيدة أخرى.. مصيبة بالمعنى الحرفى لها، فضيحة كبرى، نقير كعب واحد جديد كفيل بأن يعيدنى مرة أخرى للداخل مرة جديدة وإلى متى.. الله أعلم!
بعد إعادة المحاولة مرات لا أذكرها، تمكنت بعون الله وقدرته من الخروج من هذا الفخ المظلم لأجرى كما المجاذيب فى نفس الردهة الطويلة، فى الطريق صادفت النادل البريء فألقيت عليه: حسبى الله ونعم الوكيل وأكملت طريقي، أخيرًا شاهدت اللافتة-صدفة-على ارتفاع لا يقل عن مترين ونصف المتر وبحجم لايتجاوز الكف تقول: إلى حَمَّام الرجال.. أوف، أخيرًا!
فتحت الباب بقوة حيث لاخوف الآن، وإذا برجلٍ مهندم أعرفه جيدًا كان مسئولًا لإحدى الشركات الأجنبية العملاقة واقفًا فى منتصف البهو متعرقًا جدًا، ووجهه مبتل وقميصه يعصر ماءً، مرتبكًا للغاية ويدق كفًا بكف ويزعق فى الهاتف: والله مايصحش ولا يليق وأنا لن آتى إلى هذا المكان مجددًا.
أنهى الرجل مكالمته، بعدما لملمت نفسى وغسلت وجهى وبدأ هو استعادة ما تبعثر قبل دقائق، ثم رمقته فى مرآةٍ كبيرة ببهو الحَمَّام واقتربت منه وسألته: حضرتك كنت فى حَمَّام السيدات؟، احمر وجه الرجل جدًا وبدأ يشرح أنه لا لافتة ولا ما يشير إلى أنه للسيدات، تصنعت التفهم والحكمة وحذرته بصوت رخيم: يا دكتور أرجوك لا تصنعها مجددًا لئلا تلتقطك الكاميرات وتصير مصيبة لها جلاجل واعلم جيدًا أن دخول الحمام ليس كما الخروج منه.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







