ليس من مصلحة إسرائيل القضاء على النظام الإيرانى لأنه يحقق أهدافا استراتيجية مهمة لسياستها بالمنطقة
هو أحد المصريين القلائل الذين سمحت لهم إيران باستكمال دراساتهم العليا داخل إحدى جامعاتها.. أحاطوه بكل سبل العناية والرفاهية التى لا تقدم لطالب علم.. جاهد الإيرانيون لاستقطابه لكنهم فشلوا فقرر الانسحاب قبل فوات الأوان والعودة للقاهرة بعد أن شاهد وسمع وناظر كبار أئمتهم وقرأ مجموعة كبيرة من الوثائق والكتب الفارسية التى يتقن لغتها وتعامل مع شعبها وفهم نظامها على مدار عامين..
هو د. سعيد الصباغ أستاذ الدراسات الإيرانية المعاصرة بكلية الآداب جامعة عين شمس ورئيس المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية والتدريب ورئيس وحدة الدراسات الإيرانية بمركز بحوث الشرق الأوسط. الصباغ لقبوه بـــ «عمدة» الدراسات الإيرانية بمصر والوطن العربى وصاحب العديد من الكتب المهمة والإسهامات البحثية التى قدمت للمكتبة العربية مؤلفات وبحوث عديدة تناولت الشئون الإيرانية التى عاصرها عن قرب.
سألته هل دقت ساعة الصفر لحرب شاملة بين إيران وإسرائيل ردًا على اغتيال إسماعيل هنية داخل مقر إقامته فى العاصمة طهران؟.. أجاب الصباغ أن هذه ليست المرة الأولى التى تستهدف فيها إسرائيل عناصر وقيادات ميدانية إيرانية وفلسطينية سواء داخل الأراضى اللبنانية أو السورية، أو حتى فى داخل الأراضى الإيرانية نفسها ولن تكون الأخيرة فى ظل البيئة الإقليمية الراهنة. أما الجديد فى الأمر أن الاستهداف الإسرائيلى هذه المرة حدث لشخصية فلسطينية مهمة وسط حراسة أمنية قصوى وفى عمق إيران وهو الأمر الذى وضع طهران فى حرج شديد مرة أخرى أمام شعبها وأمام أتباعها فى المنطقة. ومن الواضح جدا أن رئيس وزراء الكيان الصهيونى نتنياهو يتعمد الاستمرار فى استفزاز إيران بعد تدمير قنصليتها فى سوريا..
نتنياهو حاول ضرب عصفورين بحجر واحد الأول هو إعادة ترتيب أولويات اهتمام العالم من إدانة تل أبيب ومذابحها اليومية بحق الشعب الفلسطينى إلى الاهتمام بأمن إسرائيل المهددة من إيران.. الثانى هو استمرار تسكين الغضب الشعبى من حكومة نتنياهو المتطرفة وفشلها فى استخلاص الأسرى أو القضاء على حماس بعد أكثر من 300 يوم من حرب همجية بشعة..
نتنياهو فى حاجة ماسة لتكرار سيناريو المسيرات والصواريخ الإيرانية التى تم إطلاقها إبريل الماضى ولم تقتل ذبابة واحدة داخل الكيان الصهيوني..
تكرار هذا «الشو» التليفزيونى المصور مفيد سياسيا لتل أبيب.. اليوم كل مراكز القيادة الأمريكية والإسرائيلية ودول التحالف مستعدة وأسلحة الصد والاعتراض جاهزة والمخابئ مجهزة وسلاح الجو الأمريكى نشر طائراته الشبحية بالمنطقة.. من الغباء أن تكرر طهران نفس الأمر بنفس الأسلوب لأن النتيجة ستكون كسابقتها صفر لا شيء.
الجماهير العربية يجب أن تدرك جيدا أن إيران لن تدخل فى حرب شاملة مع الكيان الصهيونى وكذلك لن تفعل إسرائيل.. الهدف الإيرانى من دعم القضية الفلسطينية ليس هو القضاء على تل أبيب لكن تحقيق مصالح استراتيجية وتحقيق المد الإيرانى بالمنطقة والذى يتم تحت سمع وبصر القوى الدولية الكبرى.. وبخبرتى الطويلة فى الشأن الإيرانى أؤكد أن تحرير الأراضى الفلسطينية والمسجد الأقصى من الاحتلال لم ولن يتم بأيدٍ إيرانية مهما طال الزمان.. وكذلك ليس من مصلحة إسرائيل القضاء على النظام الإيرانى لأنه يحقق أهدافا استراتيجية مهمة لسياستها بالمنطقة..
العلاقة بين طهران وتل أبيب يمكن تلخيصها تحت عنوان «الأخوة الأعداء» و«غرام الأفاعى» فمهما كان على السطح من عداء شديد بينهما يظل على السطح والولايات المتحدة لن تسمح بتفاقم الخلاف بينهما لمستوى التدمير أو الحرب الشاملة فكلاهما مهم للآخر.
وتبقى الفرصة المهمة التى دعت لها مصر والولايات المتحدة والدوحة أول أمس لاستئناف المناقشات العاجلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين فى القاهرة أو الدوحة لسد كل الثغرات المتبقية وبدء تنفيذ الاتفاق دون أى تأجيلات.
المصلحة الفلسطينية تقتضى اليوم وقف العدوان لحقن نزيف الدماء الفلسطينية وإغاثة المنكوبين بدلا من رفع راية الثأر وإطلاق صواريخ إيرانية لن تصب إلا فى مصلحة الاحتلال.

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







