أول مرة رأيت فيها النجمة فاتن حمامة أثناء زيارة لى لأستديو التصوير ويومها لاحظت عليها الرقة والبساطة الشديدة، ومضت الأيام وأتيح لى أن أقف أمام فاتن فى فيلم «صراع فى الوادى» ويومها امتلأت رهبة من الموقف، ولكن عندما التقيت بها فى غرفة الماكياج وبادلتها التحية استطاعت بلباقتها وبساطتها أن تشعرني بأن معرفتنا ليست وليدة الساعة، وبثت فى نفسى أننا زميلان متكافئان، وأنستنى أننى أعمل لأول مرة أمام الكاميرا، ولم يمضِ أسبوع واحد على العمل معًا فى الفيلم حتى توطدت صداقتنا، فكنا نتحدث فى الشئون الفنية، وربطت المقادير بين قلبينا برباط الحب الذي توجناه بالزواج، فكانت أسعد لحظات حياتى التى ضغطت فيها على يد فاتن بعد عقد القران وأنا أقول لها: «مبروك زواجنا» وقبل أن أتزوجها سألنى يوسف شاهين: «ما رأيك فيها» فقلت: إننى لا أعتقد أن هناك ممثلة عظيمة كهذه الفنانة.
وبعد أن عدت مع فاتن من باريس بعد شهر العسل، سألنى صديق: ما رأيك فى الزواج ؟، فقلت : إننى
أسعد زوج فى الوجود، ومضت الأيام وأنا ما زلت على أن فاتن أعظم فنانة وأنها أكمل زوجة، وكلما أشرق علينا يوم جديد طالعتنى بسعادة جديدة، ونجاح فاتن على الشاشة يرجع إلى فهمها الدقيق للطبيعة البشرية، وهناك مواقف لم تتعرض لها فاتن فى الحياة، ولكنها إذا طُلب اليها أن تمثلها أتقنت أداءها بصورة تدعو إلى الدهشة، ويرجع هذا إلى صدق فهمها للطبيعة البشرية وإلى إحساسها بالإنسانية إحساساً بالغ الدقة، وفى فاتن ميزة قل أن تحظى بها فنانة أخرى، فهى دقيقة الحكم ولا تخدع نفسها أو تجاملها، وهى تشاهد أفلامها عدة مرات قبل عرضها على الجماهير، وتدون ملاحظاتها ونقدها لنفسها فى ورقة صغيرة غير متساهلة فى أية هفوة، وأذكر أننى سمعتها مرة ونحن نشاهد أحد أفلامها فى عرض خاص، تقول لنفسها: «ليه الحركة دى؟ ماكانش لها لزوم أبداً!».
فقلت لها فى دهشة: حركة إيه ؟
قالت: «الكلمة دى.. اللى كتير بغلط واقولها فى الأفلام»، قالت هذا فى بساطة، وفى إيمان الناقد الواثق من قدرته على وزن العمل الفنى بميزان دقيق، ولاشك أن فاتن تدرك عن يقين أنها ممثلة عظيمة وموهوبة، بل وعبقرية، ومع هذا فهى لا تسمح لنفسها بأن يتسلل إليها الغرور، وتقابل النجاح والتصفيق والهتاف بابتسامة رضا بعيدة عن الكبرياء، تقابلها كنتيجة طبيعية لما بذلت من جهد، وفاتن كزوجة فيها من المزايا ما لا يجتمع بعضه فى عشرات من السيدات، فيها النعومة الرقيقة والحنان الفياض والأنوثة الساحرة والابتسامة الجذابة التى تقابلنى بها دائماً، ولم تخذل تفاؤلى أبداً.
◄ اقرأ أيضًا | 59 عامًا على رائعة «الحرام» بين «تشيخوف العرب» وفاتن حمامة
وأروع ما فى فاتن الزوجة أنها تبعث الأمل فى صدري فى أدق المواقف حرجاً، وتطرد اليأس فى أشق
الظروف فهى كالشمس تشرق فتبدد وحشة الظلام، ولا أنكر أن فاتن تغار أحياناً ولكن غيرتها مبصرة، وقد تكشر عن أنيابها، ولا تخرج عن طبيعتها السمحة الطيبة الخيرة، ومن أبرز عيوبها الوسوسة فيما يتعلق بفنها، فهى تفكر ألف مرة قبل أن توافق على فيلم يُطلب منها تمثيله، فهى ترهق نفسها فى قراءة السيناريو قبل أن توافق عليه، وأعتقد أن هذا العيب له ما يبرره، فهى لم تصل لمكانتها إلا بجهد شاق قطعته بصبر وإيمان، لأنها لا تريد أن تهبط عن هذه المكانة وتنشد الكمال، إننى فخور بفاتن الفنانة، الزميلة، والزوجة، لأنها جديرة بما نالته من تقدير جمهورها ومحبيها وعشاق فنها، وما أسبغته الدولة عليها من تقدير.
عمر الشريف
«الكواكب» - 2 أغسطس 1960

92عامًا من صناعة الوعي .. ذكرى تأسيس الإذاعة المصرية أكبر خزائن الزمن الجميل
أبو ضحكة جنان.. مأساة «أيقونة الكوميديا» إسماعيل ياسين
سليمان نجيب.. لماذا رفض الزواج طوال حياته؟







