محمد القليوبي
إذا كانت الأغنية التراثية أو القديمة هي الإرث الذي تركه السابقون لنستمتع بنغماته التي تدفعنا للشجن، والحنين للماضي، فمحمد منير هو الذي حمل تلك الأمانة بكل صدق، ومررها من خلال صوته، ورؤيته الخاصة إلى الأجيال الحالية والقادمة، لأنه ببساطة أعاد تركيبة هذه الأعمال الخالدة، والتي اندثر كثير منها تحت تراب الزمن، إلى سطح الواقع الذي يعج بزحام من الأصوات التي تكاد تصيب الآذان، والوعي بالصمم الموسيقي.
منذ ظهوره الأول، علم محمد منير أنه صوت الجنوب الذي لا يعرف عنه الكثيرين، إلا أنه المكان الذي ولدت فيه الحضارة المصرية القديمة بكل عظمتها، ومن هنا نبش منير في جبال النوبة، وضفاف نيل أسوان عن كنز أراد أن يستمع له من في ربوع مصر، بل والعالم، ليستمع الجمهور لنغمات السلم الموسيقي الخماسي المعروف في النوبة وأفريقيا في الكثير من الأعمال التي نبهت لوجود تجربة مختلفة قادمة بقوة وستستمر لسنوات طوال، وهذا ظهر ببساطة في أغان مثل “الله لون يا لون”، و”كدودة”، و”أبياسا”، ومن بعدها في الألفينات أغاني مثل “سيا سيا”، و”شمندورة”، ولكن منير لم يقدم هذه الأعمال وغيرها الكثير بنظرة نوبية فقط، ولكن كان لها روح عصرية لم يشهدها عالم الموسيقى من قبل بفضل موسيقيين أفزاز مثل يحيى خليل، وفتحي سلامة، ورومان بونكا، وعبد الله حلمي، ووجيه عزيز، وغيرهم ممن غيروا خريطة النغمات في مصر والعالم العربي.
لمحمد منير أيضاً تجربة مهمة تلخصت في إعادة تقديم أغان قديمة لمغنيات كبار في فترة العصر الذهبي للفن المصري خلال الخمسينات والستينات، فقد وجد طريقاً معروفة لديه من خلال أغنية “يا حبيبي عودلي تاني” لشادية، لأن هذه الأغنية كانت من الأغاني المصرية النادرة التي اعتمدت على السلم الخماسي الذي يعلم أسراره جيداً، فقدمها في ألبوم “من أول لمسة” عام 1996، وحققت نجاحاً مبهراً جعله يحقق مقولته الشهيرة وهي أن فنان بلا تراث هو فنان بلا هوية، ومن بعدها قدم أغنية ناجحة أخرى، وهي “أنا بعشق البحر” التي غنتها من قبل نجاة الصغيرة، وقدمها في صورة فيديو كليب بسيط على شاطئ البحر، أعاد للأذهان سحر هذه الأغنية و رقة كلماتها، وبالطبع كانت أغنية “أسمراني اللون” لشادية من جديد مفعول السحر في نجاح ألبوم “أحمر شفايف”، ومن وقتها عرف منير بأنه الذي أعاد اكتشاف هذه الأغاني للأجيال الحديثة التي آمنت بفنه، وقدم أعمال أخرى ناجحة من حقيبة التراث المصري التي لا تنتهي مثل “حكايتي مع الزمان” لوردة، و”حارة السقايين” لشريفة فاضل،
وبالطبع أغانيه الوطنية التي قدمها في أفلام مثل فيلم “حكايات الغريب” الذي قدم فيه توليفه من الأغاني الوطنية وقت نصر أكتوبر 1973، مثل “خلي السلاح صاحي، دولا مين، حلوة بلادي السمرة”.
أعمال منير التراثية التي أعاد تقديمها لجمهوره لم تتوقف عند حدود مصر، بل أنه وبفضل ثقافته الموسيقية الواسعة، جال في البلدان المحيطة، ليصل في ثمانينات القرن الماضي لتجربة كانت مثيرة للدهشة في وقتها، وهي عندما قدم أغنية “حكمت الأقدار” للموسيقي الجزائري حميد بارودي، هي أغنية من أغاني الفلكلور الجزائري التي لم تشتهر سوى في حدود نشأتها، ولكنها كانت عنواناً مهماً في ألبوم “وسط الدايرة”، ومن هنا تعرف جمهور منير على موسيقى جديدة فتحت مجالاً بعدها لعشرات الفنانين
من المغرب العربي، ولنجاح “حكمة الأقدار” دور في أن يتعاون منير من جديد مع حميد بارودي ليشاركه الغناء في أغنية “سيدي” والتي خرجت باللهجة الجزائرية أيضاً، ولم يتوقف حرص منير أن يعيد تقديم تراث بلد المليون شهيد، بل قدم واحدة من أشهر أغانيه، وأكثرها تميزاً وهي أغنية “إمبارح كان عمري عشرين” للموسيقي الجزائري محبوب باتي، وضمها لألبوم حمل نفس الاسم عام 2005.
ومن الجزائر لفلسطين، التي تحمل مكانة خاصة في قلب محمد منير، ويشاركه فيها ملايين من جماهيره حول العالم العربي، فقدم أغنية “العمارة”، المستوحاة من التراث الفلسطيني، والتي تتحدث عن نضال الفلسطينيين ضد الاحتلال، وصمودهم في وجه العدوان، وما زالت هذه الأغنية يتردد صداها في ظل ما تشهده غزة، والضفة من
مأسي على يد الاحتلال، والجميل في هذه الأغنية أنها جاءت من ألحان عراقية إذ لحنها الموسيقار العراقي جعفر حسن ضمن ألبوم “شيكولاتة”.
أيضاً قدم منير واحدة من أنجح أغانيه التي أعادت تقديم التراث، ولكن هذه المرة من تونس، حيث قدم أغنية “تحت الياسمينا” في ألبوم “طعم البيوت”، وهي من الفلكلور التونسي للموسيقار الهادي جويني، ونجحت هذه الأغنية لأن منير قدمها بكل ما تحمله من معاني، حتى أنه قام بغنائها بلكنتها التونسية التي كانت محببة للكثيرين من محبي هذا العمل الخاص، وفي يناير 2019 طرح منير أغنية “أهل أول” للشاعر السعودي عبدالله دبلول، وألحان الملحن البحريني محمد الحداد، وتعتبر هي الأغنية الأولى التي يقدمها منير بالموسيقى والكلمات الخليجية، خلال مشواره الفني الطويل، ليصبح منير ليس ملكاً فقط لموسيقاه وأغانيه الخاصة، ولكن ملكاً على عرش التراث الذي أعاده لمجده، ولمسامع الجمهور في كل مكان.
اقرأ أيضا : الكينج «منير»| شارك بـ 3 أعمال مسرحية فقط.. حواديت «الملك» على المسرح
حمزة علاء الدين .. صاحب العود الذى حمل ذاكرة النوبة إلى الغرب
دياب ورمضان .. جدل وكوميكس
الذكاء الاصطناعى يدخل «مرحلة التطبيع»







