فنجان قهوة

تاكسى!

يسرى الفخرانى
يسرى الفخرانى


توقفت سيارة التاكسى بجانبى تمامًا فى الإشارة الحمراء، بملل تأملت الكدمات والخدوش والخبطات الكثيرة على السيارة رغم موديلها الحديث، كانت يد السائق رغم الحر والزحام مدلاة من شباكه المفتوح فى لا مبالاة تحمل سيجارة محترقة حتى نصفها، نجح دخانها المتصاعد ببطء على أن يأخذنى إلى تخيل تلك الأوقات التى نالت فيها حوادث غير متوقعة من تلك السيارة فى مشاويرها المعتادة لأكل العيش، تخيلت السائق العجوز وهو يلقى نصف سيجارته المشتعلة كالعادة ويعلو صوته تدريجيا مثل صبى يجرب ميكروفون فرح شعبى وهو يصارع فى خناقاته المتتالية مع من يتبادلون بالخبطات على سيارته ومؤكد حاول دائما أن يكسب معركة، أن يثبت على الأقل لنفسه أن الخطأ ليس خطأه ، حتى وإن كان خطأه .

وفى كل الأوقات وعلى أى حال انتهت المعركة وسارت الحياة والدليل أنه يقف فى إشارة المرور ينتظر اللون الأخضر ويحاول بعينيه المجهدة بيأس أن يلتقط زبونا!

ما أكثر الشبه بين كدماتنا وإن لم تُر بالعين المجردة وبين السيارة التى تقاوم وتمضى فى رحلة وهى تتلمس جرحًا هنا ووجعًا هناك ، تمضى لكى تستمر الحياة ويستمر السعى والرزق.

ليس للسيارة رفاهية التوقف، فهى إن لم تستفتح كل يوم ضاقت عليها الدنيا برحابتها ، الزمن لم يعد زمن الاسترخاء ولا النوم المبكر ولا الكسل اللطيف حتى فى نهايات الأسبوع ، ليس وقت التوقف طويلًا للتأمل فى إشارات المرور ولا التسكع على واجهات الشوارع ، لا وقت لانتظار التئام جرح أو سكون ألم.

كسيارة الأجرة تجرى ماسحة الشوارع والأزقة والحوارى بنوافذ مفتوحة وخبطات محتملة ودخان سجائر ورماد، لعل وعسى فى الليل وآخره تتاح جلسة هادئة على رصيف مع خمسينة شاى وعشرة طاولة.

فُتحت الإشارة فانطلق صاحب التاكسى على آخر سرعة ممكنة يلحق ضل زبون محتمل على الناحية الأخرى ، لمحت بعضًا من ابتسامة وكانت أم كلثوم تغنى فى راديو متقطع الصوت الليل وسماه ونجومه وقمره وسهره ..

نحن أبناء الأشياء الصغيرة البسيطة التى نحيا من أجلها بحب حقيقى وضحكات من القلب ، لا شىء يقف أمام أحلامنا الحلوة ، لا شىء .. مهما كانت خدوشنا.