تلميذات ثانوي يشاغبن «الموجي» في معمل الكيمياء !

الموسيقار الكبير الراحل محمد الموجي
الموسيقار الكبير الراحل محمد الموجي


مرت علينا يوم «الإثنين» الماضي الذكرى 29 لرحيل الموسيقار الكبير محمد الموجي الذى غادر الدنيا فى الأول من يوليو عام 1995 بعد رحلة عطاء طويلة قدم خلالها مئات الألحان والأغنيات التى جرت على ألسنة كل المطربين والمطربات، وصنعت نجومية بعضهم، وأمتعتنا وما زالت تمتعنا وتنعش فينا الوجدان، وفى ذكراه نعيد نشر مقالٍ نادر نكتشف من خلاله الفترة التى عمل فيها مدرساً للكيمياء بمدرسة العباسية الثانوية للبنات، ويقول فيه : 

- «انتقلت من العمل بمدرسة للبنين الى مدرسة للبنات ولم يكن لى سابق خبرة فى التعامل مع التلميذات بالمرحلة الثانوية، تعلمت كيف أروض الأولاد العفاريت، فكيف لى أن أروض العفاريت من البنات، وفى أول يوم وصلت فيه إلى المدرسة تلقفتنى ناظرة المدرسة عند الباب، رمقتنى بنظرة غريبة، أخذتنى إلى مكتبها ثم قالت لى وهى تنظر لشعرى المصفف وسترتى الأنيقة : «الوزارة اختارتك هنا تعرف علشان إيه ؟»، فقلت : «علشان أدرس للتلميذات»، فقالت بلهجة ذكية: «لأ.. علشان انت متجوز.. دى مدرسة بنات وممنوع على العزاب دخولها والمفروض إن اللى متجوز يعامل البنات زى بناته، أو أخواته».

نظرت إلىّ وهى تنطق الكلمة الأخيرة فقد كنت صغير السن بحيث تصلح البنات أخوات لى، فقلت لها وأنا أضع على عينى النظارة السوداء: «طبعاً».. فقالت وعيناها لا تتركان النظارة التى استقرت على عينى: وأحب اطلب منك حاجة»، قلت وأنا أنظر فى الأرض بأدب شديد: «اتفضلى حضرتك .. كلى آذان صاغية»، فقالت بلهجة حازمة: «بلاش تلبس نضارة»! ولمحتها تنظر لى نظرة ذات معنى. 

خلعت النظارة وأنا أحاول أن استشف ما تعنيه نظراتها، وبدت علىّ الحيرة فلحقتنى قائلة: «علشان دی وجاهة زيادة عن اللزوم.. أعتقد كلامى مفهوم»، خرجت من حجرة الناظرة وقد تأكدت تماماً أنى دخلت جحيماً وحلق الهم فوق رأسى من أول يوم، ودخلت الفصل فتبدلت نظرتى إلى الأشياء بعض الشيء، فقد كانت التلميذات معقولات، أو لعل الأيام الأولى من العام الدراسى تكون دائماً محاطة بالهدوء النسبى لأنها فترة تعارف.. ومضت الأيام، وتعرفت على تلميذاتى فى الفصول وأنا أدرس لهن الكيمياء والمادة معقدة وتحتاج لشرح وتركيز، كنت فى موقف شائك، لأننى سمعت من زملائى أن الطالبات يسببن المتاعب للمدرس، وكان زملائى يتمنون العودة إلى مدارس البنين حيث يستطيعون معاقبة التلاميذ، لكن العقاب فى مدرسة البنات حساس جداً ! وكنت فى تلك الأيام أخطو خطواتى الأولى نحو الشهرة فى ميدان التلحين، وكنت قد لحنت أغنية «صافينى مرة» لعبد الحليم حافظ، الأغنية حققت شهرة بين تلميذاتى اللاتى كن يلاحقننى بعبارة «صافينى مرة» كلما مررت أمامهن، وكنت أرسم على وجهى تكشيرة مخيفة كما أمرتنى الناظرة التى أعجبتها تكشيرة وجهى مع التلميذات.

◄ اقرأ أيضًا | في الذكرى الـ29 لرحيل الموسيقار محمد الموجي.. «العندليب حبسه بسبب قارئة الفنجان»

كنت ذات يوم فى معمل الكيمياء عندما فوجئت بأربع طالبات يقتحمن المعمل ويغلقن الباب خلفهن، ودست إحداهن المفتاح فى صدرها لكى لا تصل إليه يدىّ، وقلن فى صوت واحد: «لازم تغنى لنا «صافينى مرة»، فصحت منفعلاً: «مش ممكن .. إزاى تقفلوا الباب بالشكل ده.. لو مرت الناظرة أنا حاروح أنا فى داهية»، فقلن فى صوت واحد: «انت حر!»، ووقفن متحديات، وكنت أعرفهن واحدة واحدة، منهن آمال فريد التلميذة الشقية التى كانت تصر دائماً على أن تبعثر كميات الملح والمحاليل حتى أعطيها غيرها فتحدثنى أثناء ذلك عن السينما وفاتن حمامة، والثانية سهير البارونى وكانت رئيس فريق التمثيل بالمدرسة، وثالثهن، فوزية الأنصارى التى كانت ضمن فريق التمثيل، أما الرابعة فهى جيلان حفیظ وكانت مطربة المدرسة الأولى، وكنت أجلس خلفها بالعود وهى تغنى فى كل حفلات المدرسة ! 

أحسست حرج الموقف، وكان التفكير فى أخذ المفتاح بالقوة أمراً جنونياً بعد أن اختبأ فى صدر إحداهن ونظرت إلى الباب، وإلى وجوههن، واستسلمت، وأخذت أنقر بأصابعى اللحن كله وأغنى لهن «صافينى مرة»! وانصرفن، ولكن شاء حظى العاثر أن تمر الناظرة أمام المعمل فى وقت انصرافهن فأخذت تهدد وتصيح وتتوعد، وفى اليوم التالى جاءت بالنجار لصنع حاجز خشبى بين حجرتى وفناء المدرسة لمنع وصول الطالبات إلىّ، وقد شقت الفتيات الأربع طريقهن وأصبح لهن مستقبل فنى، كن فى يوم من الأيام تلميذاتى ونجاحهن نجاح لى.

محمد الموجي 

الكواكب - 14 أبريل 1959