52 عامًا مرت على رحيل ملك ملوك الضحك والفكاهة إسماعيل يس الذى رحل عنا فى 24 مايو من عام 1972بعد رحلة طويلة مع المنولوج والمسرح والسينما عانى خلالها شظف العيش وقلة الرزق وضيق الحال حتى وصل لقمة المجد الذى لم يصله ممثل آخر، وتدهورت به الأحوال فى نهايات حياته بما هو غير متوقع، وفى ذكرى رحيله نستدعى المقال الذى كتبه لمجلة « الفن » ويروى فيه صعوبات البداية وآلامها قائلاً :
فى ليلة شتوية من ليالى الكفاح الأولى فى سبيل الوصول الى المجد، ليلة تذكرنى بأيام الفقر والبؤس التى كنت أعيش فيها عندما بدأت جهادى فى ميدان الفن، كنت قد غادرت السویس وأقيم عند أحد اقاربى بالقاهرة ريثما يتيسر الحال وأستطيع أن أسكن بمفردى، وفى هذه الليلة كنت عائداً منهك القوى متعب الأعصاب فقد ظللت طوال اليوم أبحث عن عمل، لكننى فشلت وكنت كمن أقُفلت الأبواب فى وجهه، وأبت الأقدار أن تحاربه فى الحصول على لقمة العيش، كنت أحمل فوق رأسی هم الدنيا، ولست أدرى ما الذى حدث بینی وبین قریبى الذى أسكن عنده، دخلنا فى نقاش لم أطق السير فيه، وقررت فى لحظة غضب أن أترك منزل قريبى وأسافر الى السويس، توجهت الى المحطة وكان القطار يقف على الرصيف، وفى أحد صالونات الدرجة الثانية تمددت على الكرسى كأى مسافر يحمل تذكرة، ومع الأفكار والخيالات داعبنی سلطان النوم فاستسلمت لدعابته ورحت فى سباتٍ عميق .
◄ اقرأ أيضًا | عانى من الإفلاس وتلقى علقة ساخنة في أول فرح.. حكايات من حياة إسماعيل ياسين
استيقظت على هزات خفيفة وصوت يرن فى أذنى كأنه قصف الرعد وهو يقول: «اصح يا فندی، تذاكر من فضلك»، كان كمسارى القطار ونزلت علىّ كلمة «تذاكر» كأنها الصاعقة، فنهضت من نومى وملأنى الفلس شجاعة لا عهد لى بها وقلت فى نفسى: «هيه موته ولا اكثر»، وقلت له: «أنا ما قطعتش تذكرة»، أخرج من جيبه دفتراً وأخذ يكتب ثم نظر لى قائلاً: «طيب هات ۸۰ قرش»، ابتسمت قائلاً : «للأسف ما قطعتش تذكرة لأنى ما عنديش فلوس»، وقصصت عليه قصتى مع قريبى مبيناً أننى مضطر للسفر إلى السويس عند أهلى، وقلت فى ختام روايتى «ادینی قدامك اهو، عاوز تسلمنى للبوليس سلمنى، أنا مستعد أعطيك ثمن التذكرة عندما نصل للسويس»، وأحسست أن الكمسارى اقتنع بحكايتى التى كنت أرويها بتأثر بالغ حتى يلين قلبه، ثم قال: «طيب يا سيدى لما نشوف».
الله وضع الحنان فى قلب الكمساري والا كانت العاقبة وخيمة، واطمأن قلبى وعدت لجلستى، ومددت رجلى ووضعتها على الكرسى المقابل فى كبرياء، وفى أول محطة وقف بها القطار، أخرجت القرش اليتيم من جيبى واشتريت جريدة الصباح، وأخذت اقرأ وكأن شيئاً لم يحدث، واقترب القطار من السويس، وكانت الساعة قد قاربت الخامسة صباحاً وإذا بالكمسارى يقف خلفى والابتسامة لا تفارق شفتيه، وقف القطار فنزلت وورائي الكمساري وأنا أفكر ماذا افعل، هل أجرى، ربما جرى الرجل خلفى، وتبقى مشكلة، وبينما أنا غارق لأذنى فى هذه الأفكار إذ بمعاون المحطة يقبل علىّ معانقاً وهو يقول: «أهلاً إسماعيل، حمد الله على السلامة، كنت فين يا راجل غايب المدة دى كلها»، وكأننى فى هذه اللحظة عثرت على كنز ثمين، همست فى أذنه «الحقنى أنا وقعت وأنت استلقيتنى» فقال: «خير، أى خدمة»، وفى هذه اللحظة تدخل الكمساري قبل أن أشرح لصديقى المعاون القصة قائلاً: «صباح الخير يا حضرة المعاون، أنت تعرف إسماعیل»، فقال صديقى المعاون: «ايوه أعرفه كويس قوى، فيه حاجة ؟»، وتصبب العرق بغزارة على جبينى وكدت أسقط من طولى، واستطرد الكمسارى قائلاً: «ابدا، ده إسماعیل ده شخصية لطيفة قوی، دا هلكنى من الضحك طول السكة» ومد لى ذراعه وهو يقول: «فرصة سعيدة قوى يا سی إسماعیل، لازم نشوفك تانى فى ظروف أسعد من دى، سلام عليكم يا حضرة المعاون».
لم أصدق أننى تخلصت من المأزق المحرج، وحمدت الله على أننى لم أشرح القصة لصديقى المعاون، حملت حقيبتى وودعت المعاون، ولم أمكث فى السويس إلا ٢٤ ساعة عدت بعدها إلى القاهرة، وبدأت قصتى مع الكفاح المرير حتى وصلت لما أنا فيه والحمد لله، ولست أتمنى شيئاً فى حياتى إلا أن أقابل هذا الكمسارى مرة أخرى، لعله يقرأ هذه السطور فيأتى لمقابلتى حتى أستطيع أن أرد له الجميل.
إسماعيل يس
«الجيل الجديد» - 22 مايو 1956

92عامًا من صناعة الوعي .. ذكرى تأسيس الإذاعة المصرية أكبر خزائن الزمن الجميل
أبو ضحكة جنان.. مأساة «أيقونة الكوميديا» إسماعيل ياسين
سليمان نجيب.. لماذا رفض الزواج طوال حياته؟







