عصير القلم

يوم في مجمع الهموم

أحمد الإمام
أحمد الإمام


‭..‬في‭ ‬قلب‭ ‬ميدان‭ ‬أحمد‭ ‬حلمي‭ ‬الشهير‭ ‬الذي‭ ‬يعرفه‭ ‬جميع‭ ‬سكان‭ ‬القاهرة‭ ‬وأيضا‭ ‬الوافدون‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬محافظات‭ ‬الجمهورية‭ ‬،‭ ‬تقع‭ ‬محكمة‭ ‬الأسرة‭ ‬بشبرا‭ ‬والتي‭ ‬يعرفها‭ ‬الناس‭ ‬باسم‭ ‬محكمة‭ ‬زنانيري‭.‬

هذه‭ ‬المحكمة‭ ‬يقصدها‭ ‬يوميا‭ ‬مئات‭ ‬البشر‭ ‬مابين‭ ‬محامين‭ ‬وأصحاب‭ ‬قضايا‭ ‬وشهود‭.‬

من‭ ‬تقوده‭ ‬قدماه‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المحكمة‭ ‬لأي‭ ‬سبب‭ ‬من‭ ‬الاسباب‭ ‬سيشعر‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬مجمع‭ ‬للهموم‭ ‬والأحزان‭ ‬والعبر‭ ‬الانسانية‭ ‬البليغة‭.‬

ستقع‭ ‬عيناك‭ ‬على‭ ‬عشرات‭ ‬الوجوه‭ ‬البائسة‭ ‬التي‭ ‬يخفي‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬حكاية‭ ‬مريرة‭ ‬تنوء‭ ‬بحملها‭ ‬الجمال‭.‬

هذه‭ ‬المحكمة‭ ‬بحكم‭ ‬تخصصها‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الاسرة‭ ‬تناقش‭ ‬أدق‭ ‬تفاصيل‭ ‬العلاقة‭ ‬الانسانية‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬الاسرة‭ ‬الواحدة‭ .. ‬أزواج‭ ‬وزوجات‭ ..‬آباء‭ ‬وأبناء‭ .. ‬اخوة‭ ‬وأخوات‭.‬

آلاف‭ ‬القضايا‭ ‬المكدسة‭ ‬بين‭ ‬جدران‭ ‬ورفوف‭ ‬هذه‭ ‬المحكمة‭ ‬العتيقة‭ ‬تحمل‭ ‬كل‭ ‬معاني‭ ‬الجحود‭ ‬ونكران‭ ‬الجميل‭ ‬والغدر‭ ‬والخيانة‭ .. ‬قضايا‭ ‬تعكس‭ ‬كل‭ ‬خبايا‭ ‬وعورات‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭ ‬الأمارة‭ ‬بالسوء‭ ‬،‭ ‬والتي‭ ‬تدفع‭ ‬ابناء‭ ‬البطن‭ ‬الواحدة‭ ‬للتشاحن‭ ‬والتباغض‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬دنيا‭ ‬زائلة‭ ‬وبسبب‭ ‬خلافات‭ ‬تافهة‭.‬

هذه‭ ‬امرأة‭ ‬طلقها‭ ‬زوجها‭ ‬وتركها‭ ‬بدون‭ ‬مصدر‭ ‬رزق‭ ‬تنفق‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬أطفاله‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬ترجوه‭ ‬أن‭ ‬تحكم‭ ‬لها‭ ‬المحكمة‭ ‬بنفقة‭ ‬بسيطة‭ ‬تساعدها‭ ‬في‭ ‬مشوار‭ ‬الحياة‭ ‬ورحلتها‭ ‬الطويلة‭ ‬مع‭ ‬أطفالها‭.‬

وهذا‭ ‬رجل‭ ‬عجوز‭ ‬أفنى‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬أبنائه‭ ‬والإنفاق‭ ‬عليهم‭ ‬حتى‭ ‬انتهوا‭ ‬من‭ ‬تعليمهم‭ ‬الجامعي‭ ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يردوا‭ ‬له‭ ‬الجميل‭ ‬بادروا‭ ‬برفع‭ ‬دعوى‭ ‬قضائية‭ ‬للحجر‭ ‬عليه‭ ‬طمعًا‭ ‬في‭ ‬شقته‭ ‬اليتيمة‭ ‬ومعاشه‭ ‬الهزيل‭.‬

وهؤلاء‭ ‬اخوة‭ ‬مزقوا‭ ‬كل‭ ‬صلات‭ ‬الأرحام‭ ‬بينهم‭ ‬وتبارزوا‭ ‬بالقضايا‭ ‬بسبب‭ ‬طمع‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬أخيه،‭ ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يفهموا‭ ‬الحكمة‭ ‬من‭ ‬الميراث‭ ‬الذي‭ ‬شرعه‭ ‬المولى‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬للتقريب‭ ‬بينهم‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬سبب‭ ‬للفرقة‭ ‬والجفاء‭.‬

وهذا‭ ‬رجل‭ ‬خلعته‭ ‬زوجته‭ ‬حتى‭ ‬يخلو‭ ‬لها‭ ‬الجو‭ ‬مع‭ ‬حبيب‭ ‬آخر‭ ‬سلبها‭ ‬عقلها‭ ‬وقلبها‭ ‬وأقنعها‭ ‬بخراب‭ ‬بيتها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬جنة‭ ‬زائفة‭.‬

وهذه‭ ‬امرأة‭ ‬طلبها‭ ‬زوجها‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الطاعة‭ ‬ليجبرها‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬معه‭ ‬بقوة‭ ‬القانون‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ارتضت‭ ‬كرامته‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬امرأة‭ ‬لاتطيقه‭ ‬بغضًا‭ ‬رغمًا‭ ‬عن‭ ‬أنفها‭.‬

من‭ ‬قاعة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬ستنزف‭ ‬روحك‭ ‬ويعتصر‭ ‬الالم‭ ‬قلبك‭ ‬من‭ ‬هول‭ ‬ما‭ ‬تسمع‭ ‬وترى‭.‬

أسرار‭ ‬البيوت‭ ‬على‭ ‬عرائض‭ ‬الدعاوى‭ ‬يخوض‭ ‬فيها‭ ‬المحامون‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬ومسمع‭ ‬من‭ ‬الجميع‭.‬

كل‭ ‬الاسلحة‭ ‬مباحة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬اليومية‭ ‬داخل‭ ‬جدران‭ ‬زنانيري‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬الإنفاق‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬الأبناء‭ ‬مرورًا‭ ‬بالطعن‭ ‬في‭ ‬الذمم‭ ‬المالية‭ ‬وانتهاءً‭ ‬بالخوض‭ ‬في‭ ‬الاعراض‭ ‬والتشكيك‭ ‬في‭ ‬الأنساب‭.‬

وفي‭ ‬النهاية‭ ‬ستغادر‭ ‬المحكمة‭ ‬وانت‭ ‬تشعر‭ ‬بأن‭ ‬عمرك‭ ‬قد‭ ‬زاد‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬ما‭ ‬رأيت‭ ‬وسمعت‭ ‬بداخلها‭ .. ‬وستسأل‭ ‬نفسك‭ ‬كيف‭ ‬وصلت‭ ‬علاقات‭ ‬المودة‭ ‬والرحمة‭ ‬التي‭ ‬سطرتها‭ ‬يد‭ ‬مأذون‭ ‬على‭ ‬وثيقة‭ ‬الزواج‭ ‬إلى‭ ‬قاعات‭ ‬زنانيري‭ ‬لتكتب‭ ‬كلمة‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬قاضي‭.‬

وستدعو‭ ‬من‭ ‬قلبك‭ ‬ألا‭ ‬يأتي‭ ‬يوم‭ ‬وتقودك‭ ‬الظروف‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬محكمة‭ ‬زنانيري‭ ‬أو‭ ‬مجمع‭ ‬الهموم‭. ‬