قبل أن تدور الساحرة المستديرة الليلة، وقبل أن ترتفع الأعلام، وقبل أن يتحدث الخبراء عن الأرقام والإحصاءات والقيم التسويقية والنجوم اللامعة؛ هناك رجل اسمه التاريخ.
وهذا الرجل العجوز لا يعترف بالضجيج.. لا يقرأ العناوين البراقة؛ ولا ينبهر بأسماء اللاعبين، إنه فقط يتذكر.. وحين يتذكر مواجهات مصر وبلجيكا، يبتسم ابتسامة مصرية خالصة ويصرخ: عفوًا أيها الشياطين؛ فالتاريخ لا يزال مصريًا.
منذ أكثر من قرن تقريبًا عام ١٩٢٠، وبينما كانت كرة القدم لا تزال تتعلم المشي، كانت مصر تكتب أول فصول الحكاية أمام بلجيكا بانتصار كبير ٤-٢، وكأن القدر أراد أن يخبر الجميع مبكرًا أن هذا المنافس الأوروبى لن يكون مجرد خصم عابر فى الذاكرة المصرية.
مرت السنوات، وتبدلت الأجيال، وتغيرت الأسماء؛ لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا.. كلما ظهرت بلجيكا، ظهر المصريون حاملين معهم مفاجأة جديدة.. جاء حازم إمام ذات يوم ليوقّع باسمه على انتصار مصرى جديد بهدف نظيف عام ١٩٩٩.
ثم جاءت ليلة الرباعية ٢٠٠٥ التى لا تزال تسكن الذاكرة.. ليلة عماد متعب، وعمرو زكي، وأحمد عيد عبد الملك، ليلة اكتشف فيها البلجيكيون أن التاريخ ليس دائمًا صديق الأقوياء.
ثم جاءت سنوات طويلة أصبح فيها بلجيكا نمرًا كرويًا، نجوم فى كل مركز، ملايين تتحدث عنهم الصحف والشاشات؛ ومع ذلك، وحين ظَنَّ الجميع أن الكفة مائلة تمامًا، خرج منتخبنا ليصفع كل التوقعات.. فعلها روى فيتوريا الذى لم ينصفه كثيرون عام ٢٠٢٢؛ بتوقيع الأناكوندا مصطفى محمد الذى أقصاه العميد من جنة المونديال.. كما وَقَّع تريزيجيه الذى نعول عليه الكثير هو ورفاقه الليلة.. يومها سقطت بلجيكا مرة رابعة أمام الفراعنة.
المفارقة المدهشة أن مصر لم تنتصر على بلجيكا مع جيل واحد أو مدرب واحد، بل انتصرت مع مدارس مختلفة وأجيال مختلفة.. من الجوهرى إلى المعلم.. ومن تارديلى إلى فيتوريا؛ وكأن الرسالة كانت واضحة دائمًا: الأسماء تتغير؛ أما العُقدة فتبقى.
والليلة يقف العميد على أعتاب مواجهة جديدة.. لا يدخل مدافعًا عن نتيجة.. بل يدافع عن إرث.. عن حكايات كتبها رجالٌ سبقوه.. عن أهداف سكنت الذاكرة.. عن تاريخ يقول إن مصر كلما واجهت بلجيكا كانت أكبر من الحسابات وأقوى من التوقعات.
الليلة والشياطين يحملون أحلامهم؛ سيدخل الفراعنة يحملون تاريخهم.. وفى كرة القدم قد ينتصر الأقوى، وقد ينتصر الأوفر حظًا؛ لكن هناك شيئًا واحدًا لا يمكن تغييره مهما كانت النتيجة.. هو التاريخ؛ والتاريخ لا يزال مصريًا أيها الشياطين.
أما العميد؛ سيدخل المعركة حارسًا للإرث، مدافعًا عن ذاكرة وطن لا يزال يؤمن بأن المستحيل مجرد كلمة لا تعرف طريقها إلى قلوب المصريين.. كل الأمنيات القلبية للمنتخب، فى رحلته المونديالية.. مصر تستطيع.

استعادة «سلوى حجازى»
الشريط الإخبارى
فيلم برشامة





