من وراء النافذة

رزق والمحجوب.. المحبوبان يلتقيان

هالة العيسوي
هالة العيسوي


لم يبرأ القلب بعد من طعنة رحيل ياسر رزق حتى عاجله القدر بطعنة رحيل اللواء عبد السلام المحجوب، ليضاعف لهذا القلب العذاب ضعفين. عذاب الفقد وعذاب العجز عن وداع الأحبة لطارئ صحى أقعدنى عن هذا الوداع. أول ما طرأ على ذهنى عند تلقى الطعنة الأولى أن أهرع إلى الهاتف لأبلغ الخبر للواء المحبوب، وكأنى أستنجد به ليطبطب على أحزانى كما يفعل دوما، ولأنى أعرف قدر المكانة وعمق المحبة التى يكنهما الواحد منهما للآخر. لكنى أشفقت عليه وعلى نفسى من إبلاغ هذا النبأ الموجع. وتراجعت فى اللحظة الأخيرة. وتأتى المفارقة برحيل المحبوب فى اليوم التالى لعزاء ياسر رزق وكأنه أراد اللحاق بحبيبه، ليدركه فى الجنة يإذن الله ويستأنفا حديثهما الذى انقطع فى الدنيا.

علاقتى بالمحجوب بدأت على يد ياسر رزق، فقد أثنى الراحل المحبوب على إحدى مقالاتى فى لقاء بينهما، وعند زيارتى لياسر فى مكتبه لتهنئته بالعودة سالمًا من رحلته العلاجية الأولى بالخارج، ووسط زحام الجمع الغفير المحتشد فى مكتبه، لم يفته أن ينقل لى إشادة المحجوب، لم ينشغل أو يتشاغل، لم ينس أو يتناس. «إحنا فى ولا إيه.. المهم حمدالله على سلامتك» ليرد جادًا: «خدى نمرته وكلميه».
 لم يكتف ياسر بن قل هذه الإشادة لى، بل سطرها وسجلها بقلمه فى إحدى مقالاته.

المحجوب وياسر يحملان نيشان المحبة الجارفة من الناس. الأول أطلق عليه السكندريون لقب «المحبوب»،  كان كالأب الحنون يكفينى منه سؤاله الدائم: مش عايزة حاجة اقدر أعملها؟ تخجلنى مبادرته الدائمة بالتهنئة فى الأعياد والمواساة فى الأحزان. والثانى حملته جماهير شارع الصحافة على الأعناق عند عودته لمنصبه بعد انحسار زمن الإخوان، وكادوا يصيبونه بالاختناق عند عودته من رحلته العلاجية رغبة فى احتضانه. مازحته وقتها: «قل لهم ما تحبونيش بالشكل ده» على غرار الأغنية القديمة فيرد: «محبة الناس رزق أرفضه؟» صحيح يا رزق.

الاثنان لكل منهما نصيب من اسمه.. وياسر رزق كان يسيرًا لينًا سمحًا، رزقه فى محبة الناس له، والمحجوب بطل وطنى من الطراز الأول وأحد صقور المخابرات العامة المصرية، ظلت بطولاته محجوبة لزمن طويل، ولم يظهر للعلن إلا النذر اليسير منها فى بعض الأعمال الدرامية المصرية.
 الاثنان جمعهما حب الوطن، واحترام العسكرية المصرية، والخوف على الدولة وحمايتها. المحجوب طوى كثيرًا من أسراره، ورغم الإلحاح و»الزن» الصحفى البغيض لدى أمثاله بأن يدلى بشهادته عن كثير مما تسرب كى ننشره ونحسم الجدل الدائر، لتأتى إجابته بابتسامته الهادئة: «بعدين.. حين يأتى وقتها».

أما ياسر فقد قال كلمته ومضى. وضع شهادته فى كتابه الذى أطلقه قبل أيام من رحيله «سنوات الخماسين». الذى أهداه لشعب مصر، موجهًا حديثه لشبابها وأطفالها؛ «إلى أجيال آتية هذه ملامح من قصة آبائكم فى زمن عصيب، ولمحات من حكاية وطنكم فى حقبة فاصلة، عساها تنير لكم طريقاً، وتُعبد درباً، وأنتم تشيدون مجداً جديداً، معطراً بعظمة تاريخ».

ربما لم يمهله القدر لاستكمال رسالته، وإتمام ثلاثيته عن الجمهورية الثانية، لكنى على يقين بأنه بالإمكان تنقيح ما توفر من مسودات لدى أسرته الغالية وإصدارها بعد أن يتعافوا من المصاب الأليم لعل هذا يكون العزاء الأمثل لهم ولمحبى ياسر رزق.