مدخل‭ ‬إلى‭ ‬قصيدة «‬الأعراف»

‬‬ ‬‮«‬الأعراف‮»‬ قصيدة الأرواح القلقة

أخبار الأدب
أخبار الأدب

تستلهم فكرة قصيدة «الأعراف» للشاعر الأمريكى الأشهر إدجار ألن بو فكرة أصحاب الأعراف الذين انفرد القرآن بقصتهم من بين الكتب السماوية وتفرد بخبرهم بأسلوبه البديع.
ويعترف بو نفسه بذلك، بل ويذكر الترجمة الانجليزية للقرآن التى اعتمد عليها وهى ترجمة الإنجليزى جورج سيل. ومع أنى كنت أعرف الكثير عن الأعراف من التراث العربى فإننى بحثت عن شروح لها عند شراح إدجار ألن بو ونقاده ولكنى لم أجد ما يبل صداى ويشفى غُلتى فى اللغة الإنجليزية. كما أن الصدمة فى العربية كانت أكبر إذ لا توجد ترجمة للقصيدة ترضى القارئ وتنقل المعنى وتعكس المبنى ولا شروح تفك مغاليقها وتقربها للفهم. كتب بو هذه القصيدة وهو دون العشرين وكان ينوى أن تكون فى أربعة أجزاء ولكنه لم يكمل منها إلا الجزء الأول والثانى فى أربعة مائة واثنين وعشرين بيت.
والقصيدة تحاشاها نقاد الأدب الإنجليزى والأمريكى لصعوبتها ولِما أحاط بظروف كتابتها من اضطراب، فثمة عدد من الأسئلة بلا إجابة: متى كتبها بو تحديدا؟ وهل أكمل أجزاءها الأربعة؟أم اكتفى بنشر الجزءين الأول والثانى فقط عندما واجه أعاصير من عواصف نقدية ضده؟ وإن كان الأمر كذلك فأين تتمة القصيدة بأجزائها الباقية,الثالث والرابع؟ وهل فقدت هذه الأجزاء إلى غير رجعة؟ أم أنه توقف فيها عندالجزءين الأول والثانى فقط؟ كلها أسئلة لا إجابة عنها إلا فى رحم الغيب. كل ذلك له مايبرره، ولكن غير المفهوم هو عدم اقتراب النقاد والمترجمين العرب من القصيدة: سواء دراسة أو تدريسا فى الجامعات العربية، وكذلك ترجمتها ترجمة جيدة لتكون أمام القارئ والباحث والناقد على السواء.
 ترجمت القصيدة وهدفي القارئ العربى فى المقام الأول ليقرأ أثرا من عيون الأدب العالمى يبدو فيه التأثر اسما ورسما بالتراث العربي، وكذلك لتكون أمام النقاد العرب لعل دراسة جادة تسهم فى كشف جانب مجهول من علاقة العملاق العبقرى إدجار ألن بو بالتراث العربي، وأخيرا فإن هدفى ليس ببعيد عن دارسى الأدب المقارن ليكون أمامهم النص جاهزا فى أول خطوة فى رحلة البحث فى الأدب المقارن فى جانبه التطبيقي.
قصيدة «الأعراف» للشاعر الأمريكى إدجار ألن بو ( 1808 -1849) هى واحدة من أجمل قصائده ومن عيون شعره، وفى نفس الوقت من أشدها غموضا بالنسبة للقارئ والناقد على السواء، كما سأوضح ذلك لاحقاً. ومحور القصيدة نيساكى، رمز الجمال المطلق وروحه، التى تعيش فى مملكة بعيدة تسمى الأعراف على نجم بهذا الاسم وهى الحاكمة لهذه المملكة، ومن أوصافها القليلة داخل القصيدة أن لها أطراف ملك ووسط أهيف وشَعر ذهبى. فى الجزء الأول من القصيدة تتصل نيساكى بالإله الذى يطلب منها أن تجمع سكان المملكة لدخولهم الجنة، فى المفهوم الإسلامى أو الملكوت فى المفهوم المسيحى، وفى الجزء الثانى من القصيدة نرى نيساكى توقظ الملك ليجريا وفى خلال ذلك توقظ عددا من ملائكة الساروفيم وكائنات أخرى ملائكية من التى تعيش فى مملكة الأعراف السماوية، ومنهما إيانثى، وهو ملك خالد وأنجيليو الذى ولد على الأرض وعاش عليها فهو إنسان قد يسمو إلى منزلة الملائكة شفافيةً وقد يهبط إلى درك الحيوانية المادية. إيانثى ملك سماوى جميلة يقع فى غرامها الكائن البشرى أنجيليو. ترتبط إيانثى وإنجيليو بعلاقة حب قوية. ولذلك يرفضان الاستجابة لنداء نيساكى التى أرسلتْ لهما رسولها: لَيْجِيّا.
فى الجزء الافتتاحى لملحمة «الأعراف»، يأمر الإلهُ الملكَ نيساكى أن تنقل رسالة إلى «العوالم الأخرى». فتوقظ نيساكى الملاكَ لَيْجِيّا وتأمرها أن توقظ ألفا من الملائكة الساروفيم لتنفيذ أمر الإله. فيمتثل الجميع للأمر إلا أثنين هما العاشقان أنجيليو وإيانثى اللذان رفضا الأمر، كان هذان العاشقان هما «الملاك الجميلة إيانثى وحبيبها أنجيليو العاشق، وهو مَلك عاشق من الساروفيم، كان أنجيليو يعيش على الأرض ولما مات حلقت روحه إلى عالم الأعراف. فإيانثى وأنجيليو عاشقان، وفشلهما أن يفعلا ما أمرتهما به نيساكى كان من نتيجته أن الإله لم يسمح لهما بدخول الجنة.
وملحمة الأعراف قصيدة رمزية ينقل إدجار ألن بو من خلالها القيم الجمالية التى تتوق إليها نفسه المتعطشة إلى الجمال بطريقة شبيهة ببحث أفلاطون عن المُثل ، خاصة فيما يتصل بما وراء الطبيعة والمفاهيم التى هى خارج الرؤى الأرضية. ولا شك أن بو خلق فى «الأعراف» مكاناً عبر فيه عن الحقيقة التى يراها فى خياله ويصبو إليها وعن الجمال والعدل اللذين تتعطش لهما روحه التواقة. فقدم لنا الأعراف على أنها مملكة أثيرية، أو سماوية، حيث يعيش هؤلاء الذين يتمنون أن يتخففوا من العالم المادى ومغرياته الحسية ، وهم من القلة التى تستطيع أن ترى الجمال المطلق .
 يمزج بو فى «الأعراف» الحقائق التاريخية والعلمية بالأساطيرالغامضة إلى جانب ما يسكبه عليها وفيها من خياله الخصب. وتصور القصيدة مشاهد من حياة أخرى غير مادية. مشاهد من الحب والجمال المثاليين اللذين تزينهما العاطفة المشبوبة. والقصيدة فى معظمها تركز على العلاقة بين الجمال المثالى وبين عالم الجمال نفسه واقعا معاشا. والشخصيات فى القصيدة هى بمثابة رموز لعواطف متجسدة: فنيساكى هنا إلهة الجمال، أمّا لَيْجِيّا فتمثل الموسيقا فى الطبيعة، فى حين أن أنجيليو وإيانثى مخلوقان تحركهما العاطفة والحب.
 والقصيدة تتوزعها ثلاثة مسارات ، الأول هو العلاقة بين الإنسان والإله ودخول الإنسان السماء أو الجنة بالمفهوم الإسلامى ، والثانى هو عالم الأعراف بوصفه جنة عدن السماوية بسكانها غير الكاملين وهم من سبقت منهم المعاصى فهم خطاة. والمسار الأخير هو العلاقة بين العاطفة والواجب أو القلب والعقل. و تلعب نيساكى دوراً مهماً فى مسارات القصيدة الثلاث. ولكن الخط الأساسى لموضوع القصيدة من الصعوبة بمكان تتبعه فى بعض الأحيان .
 والقصيدة تستقى عنوانها وخطوط قصتها الرئيسة من سورة الأعراف فى القرآن الكريم وهى السورة السابعة فى ترتيب المصحف. وقد ورد فيها ذكر لفظة الأعراف فى الآيتين 46 و48 فى مشهد من مشاهد يوم القيامة التى تأخذ بمجامع القلوب:
 وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَآهٍمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَآهٍمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أهؤلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ (49)
وإذا كانت سورة الأعراف فى القرآن تعرض مشهد الأعراف يوم القيامة وكأن العين تراه جهاراً، و تعاينه واقعاً ، مشاهد مصورة يتلو بعضها بعضا، فإن قصيدة «الأعراف» لبو فيها طرف من عالم آخر وما يدور فيه، غير الكون المادى الذى نعيش فيه، وفيها تصوير بديع وخيال شفاف نرى فيه من خلال سحب الغيب عالماً آخر لايدركه إلا ذوو الأبصار. وهى أطول قصائد بو على الإطلاق وأصعبها فهماً. ولذلك فقد استعصت رموزها قديماً وحديثاً على الفك أو الفهم الكامل. ودار حولها النقاد الغربيون اتفاقاً أو اختلافاً دون أن يصلوا لحل لأى من مغاليقها. أمّا نحن – العرب - فلم يكن حظ القصيدة بأحسن حالا مما لقبته لدى أهلها، فكان نصيبها التجاهل التام سواء فى التدريس أو الدراسة، وبو نفسه اعترف أنه استقى رائعته «الأعراف» من السورة التى تحمل نفس الاسم فى القرآن وقال أنه  قرأ ترجمة المستشرق الانجليزى جورج سيل (1697 - 1738) للقرآن والتى أنجزها عام 1736.علما بأن بو استفاد أيضاً من التراث العربى فى أعمال أخرى، مثل «قصة الليلة بعد الألف و قصة شهرزاد». وربما كان بو فى قصيدة «الأعراف» أقل اهتمامّا بالقرآن بوصفه كتاب دين، وأكثر اهتماما بجو الغرابة والغيبيات. ومسرح أحداث القصيدة هو عالم الأحلام أو عالم بديل عنه أو قريب منه تتلاقى فيه الأرواح وتتداخل الأشياء. وموضوع القصيدة هو «خيبة الأمل فى هذا العالم المادى، والهروب منه إلى عالم أكثر طمأنينة من الأحلام و الخيالات ولذلك كانت قصيدة بو التى عنوانها «إلى العلم» بمثابة مقدمة لقصيدة «الأعراف « وهى سوناتة فى الشكل التقليدى تتكون من 14 بيتا، بيت القصيد فيها أن العلم هو عدو الشاعرالأول لأن العلم يحل ألغاز الكون، ويفسد المعتقدات الروحية، والشاعر فى حاجة إليهما وهما زاد روح الشاعر وشعله خياله حسب رأى بو نفسه.
نشرت قصيدة «الأعراف» أول مرة عام فى ديسمبر 1829 فى ديوان صغير حمل عنوان «الأعراف وتيمورلنك وقصائد قصيرة». ولم يكن الديوان تزيد عدد صفحاته عن السبعين وعدد نسخه عن مئتين وخمسين فى بالتيمور بولاية ميريلاند.
 وقصيدة «الأعراف «، التى هى من أوائل شعر بو، تجاوز عدد أبياتها أربعمائة بيت بقليل، وكان بو دون العشرين من عمره حين كتبها. ومن المؤكد أن بو كتبها قبل هذا التاريخ بعام أو عامين على الأقل ولكن الثقات ممن أرخوا لهذا العملاق التعس حياً والمشهور ميتاً قالوا إنه كتبها وهو فى حوإلى الخامسة أو الرابعة عشرة ولكنى أرى أن فى الأمر مبالغة ويبدو أنه كتبها وهو فى حوالى سن وليس دونها بكثير.
 و كان رد الفعل النقدى على قصيدة «الأعراف» المنشورة فى هذا الديوان فى معظمه سلبياً بسبب تعقيد بنائها وبسبب الرموز والإشارات الغامضة فيها. ولهذا السبب فكان كثيرا ما يتجنبها النقاد لأنها رغم ما فيها من عناصر هامة لفهم بو شاعرا التى تمكننا من تتبع المراحل الهامة فى تطوره الأدبى ومسيرته الشاعرية.وأدرك بعض النقاد العبقرية الواعدة لهذا الشاعر الشاب. ولكن رد الفعل النقدى السلبى على القصيدة قد يكون أوحى إلى بو بعد ذلك برأى فحواه أن القصيدة كان ينبغى أن تكون أقصر، مع أن ما نشر منها فقط كان الجزء الأول والثانى فى أكثر من أربعة مئة بيت، وفى حين انه كان مخططا لها أن تكون فى أربعة أجزاء .و”الأعراف» نشرت فى مجملها مرة واحدة فى حياة بو، وإن كان بعض النقاد مازالوا يعتقدون أن بو لم يكمل القصيدة و منهم جفرسون مايرز فى كتابه «إدجار ألن بو حياته وتراثه « اعتمادا على ما نُقِل عن بو مراراً أنه كان ينوى أن تكون القصيدة فى أربعة أجزاء.
تتكون القصيدة من جزءين: الجزء الأول تقع أحداثه على الأعراف وهى هنا مكان بعيد فى عالم الخيال وغير محدد بزمان. والأعراف هنا فى القصيدة تسكنها مخلوقات علوية يفوق ذكاؤها ذكاء الإنسان، ولكنها اقل ذكاء من الإله. تعيش هذه المخلوقات فى الجنة فى رغد خالية من كل ما يشغلها من متاع الدنيا. فهى ليست فى حاجة إلى التحاسد أو التباغض فيما بينها وهى الشرور التى انزلق إليها وفيها بنو البشر فى الدنيا. فى مطلع القصيدة نعرف أن من هم على الأعراف يطيعون أمرالإله بإهلاك الأرض ثم يعودون إلى مكانهم «قرب الشموس الأربع اللامعة». كان الإله يعلم أن ظمأ البشر الفانى إلى المعرفة خطر عليه وانه سيقوده إلى الظن أنه مساو للإله، وهذه الفكرة عند بو أقرب ما تكون إلى فكرة الإنسان الأول فى القرآن الذى تاق إلى الخلود حين أكل من شجرة الخلد من أجل ملك لا يبلى، ففكرة عدم خلود الإنسان وفناءه أرقته كثيرا وأضجت مضجعه منذ الأزل. ويعلم الإله أن هؤلاء الذين على الأرض لابد أنهم سيكفرون غرورا بالقوة إن ملكوها بسبب صلفهم وكبريائهم. والحاكم على الأعراف هى ملاك جميل اسمها نيساكى ، وهى ترمز إلى الجمال المطلق والروحانية النورانية وهى توجد فى حالة أثيرية لا مادية. فهى الوحيدة فى الكون التى تسمع صوت الإله مباشرة و تترجاه أن تذهب إلى الأعراف لأنها جاءت إليها كائنات أرضية. وفى الجزء الثانى من القصيدة تدورالأحداث فى القصر أو الإيوان الذى تعيش فيه نيساكى. تدعو نيساكى كل أهل مملكة الأعراف وتأمر الملاك لَيْجِيّا – التى توجد أيضاً فى حالة أثيرية – أن توقظ الأرواح التى ترقد نائمة. تخبر نيساكى من جمعتهم أن يشغلوا وقتهم فى التأمل فى الجمال، ويطهروا أنفسهم من طبيعتهم الجسدية التى ستتحول إلى حالة روحانية أو فكرة مجردة. أمّا هؤلاء الذين رفضوا أمر نيساكى بالحضور فقد حيل بينهم وبين الخلود، كما حيل بينهم وبين المعرفة الإلهية. أنجيليو وإيناثى هما من لم يطيعا أمر نيساكى فى الحضور. فقد كانا عاشقين متيمين ببعضهما غير مستعدين لسماع أمر نيساكى بالتخلى عن طبيعتهما البشرية والتحول إلى الطبيعة النورانية. أنجيليو هو مخلوق ملائكى بروح إنسان فهو العاشق للعالم وللجمال فيه. ترك أنجيليو الأرض بعد أن مات فى كارثة حلت به وبحث عن اللذة والحب فى عالم الملائكة مع إيانثى وهو ملك أنثى. حاولت إيانثىأن تسعد حبيبها فى مملكة الأعراف، فى محاولة منها أن تجعله سعيدا فى عالمه الجديد الذى انتقل إليه.
 ومن ناحية البناء، يبلغ عدد أبيات قصيدة «الأعراف» أربعمائة وأثنان وعشرون بيتا، ولكن القصيدة ينقصها الإيقاع الشعرى الملحوظ.