إعداد: محمد رمضان الملَّويّ
شهدت القاهرة، يوم الأربعاء 13 مايو 2026، فعالية علمية متميزة ضمن أعمال الملتقى البحثى الرابع للمعهد الألمانى للأبحاث الشرقية – بيروت OIB، والتى عُقدت بمقر الهيئة الألمانية للتبادل العلمى بالقاهرة DAAD، فى إطار مشروعCOSIMENA تجمعات الابتكار العلمى فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمشاركة نخبة من الباحثين والمهتمين بتاريخ العلوم والحضارات. وقد قدّم المحاضرة الدكتور عكاشة الدالى -زميل باحث فخرى أول بجامعة لندن كوليدج- تحت عنوان: «الهيروغليفية المصرية فى العلوم الإسلامية الوسيطة»، حيث طرح رؤية علمية تعيد النظر فى تاريخ دراسة الكتابة المصرية القديمة.
ركزت المحاضرة على قضية محورية تتمثل فى محاولات العلماء المسلمين فى العصور الوسطى قراءة وفهم الكتابة الهيروغليفية، قبل قرون من نجاح العلماء الأوروبيين فى فك رموزها فى العصر الحديث. وأوضح المحاضر أن هذه الجهود لم تكن هامشية أو عابرة، بل شكّلت جزءًا من اهتمام علمى أوسع لدى علماء المسلمين بدراسة الحضارات السابقة وآثارها، انطلاقًا من رؤية معرفية شاملة تجمع بين التاريخ واللغة والعلوم الطبيعية.
واستعرض الدكتور الدالى نماذج بارزة من هذه الجهود، من بينها أعمال ابن وحشية وذى النون المصري، اللذين سعيا إلى تفسير الرموز الهيروغليفية اعتمادًا على معارف لغوية وثقافية متعددة، خاصة اللغة القبطية، التى كانت تمثل آنذاك حلقة وصل لفهم اللغة المصرية القديمة. وقد بيّن أن هذه المحاولات، رغم عدم وصولها إلى فك كامل للرموز، إلا أنها تكشف عن إدراك مبكر لطبيعة الكتابة الهيروغليفية كنظام معقد يجمع بين الدلالات الصوتية والرمزية.
كما أشار د. عكاشة الدالى فى محاضرته إلى بعض المصادر التاريخية العربية كابن إياس وخطط المقريزي، وكتاب «أنوار علوى الأجرام فى الكشف عن أسرار الأهرام» لأبى جعفر الإدريسى كأمثلة لنصوص عربية هامة عكست اهتمام العلماء المسلمين بآثار مصر القديمة، وقد حظى الأخير بعناية الباحث الألمانى ألريش هارمان الذى حققه ودرسه بوصفه شاهدًا مبكرًا على ما يمكن تسميته بـ «علم المصريات فى التراث العربي»، وهو نوع من المؤلفات التى تعد دليلًا على أن الكتابات العربية فى العصور الوسطى مصدرًا أصيلًا فى دراسة تاريخ مصر القديمة.
وقد وضَّح د. الدالى أن العلماء المصريين فى العصور الإسلامية لم يكتفوا بالنقل فقط، بل أسهموا فى حفظ التراث المصرى وتفسيره، والدعوة إلى صون آثاره، حيث حفظت تلك المصادر تصورات تاريخية وثقافية عن الحضارة المصرية القديمة، بما فى ذلك محاولات تفسير وظيفة الأهرام وربطها بالحكمة القديمة والعلوم المفقودة. كما نقلت بعض الروايات والمواد الأدبية مثل الإشارات إلى قصائد تناولت تدمير الآثار أو الحنين إليها، وهو ما يدل على وجود وعى مبكر بقيمة هذه المعالم وضرورة الحفاظ عليها.
وتأتى هذه المحاضرة امتدادًا للمشروع العلمى الذى كرّس له الدكتور الدالى سنوات طويلة من البحث، والذى تجلّى بوضوح فى كتابه «علم المصريات: الألفية المفقودة، مصر القديمة فى الكتابات العربية الوسيطة»، والذى صدر بالإنجليزية عام 2005 ضمن منشورات جامعة لندن كوليدج، ويُعد هذا الكتاب من الأعمال الرائدة التى تسعى إلى إعادة كتابة تاريخ علم المصريات من منظور أشمل، يُنصف إسهامات العلماء العرب والمسلمين التى طال تجاهلها فى السرديات التقليدية.
يعتمد الكتاب على دراسة دقيقة لنصوص عربية من مصادر جغرافية وتاريخية وعلمية، تكشف عن معرفة متقدمة بالآثار المصرية، بما فى ذلك الأهرام والمعابد والنقوش. كما يبرز الكتاب محاولات جادة لفهم الكتابة الهيروغليفية، ويؤكد أن بعض العلماء المسلمين اقتربوا بالفعل من إدراك بنيتها ووظيفتها، وإن لم يتمكنوا من فك رموزها بشكل كامل كما حدث لاحقًا فى أوروبا.
ولم يقتصر الكتاب على الجانب اللغوى أو الأثري، بل يضع هذه الجهود فى سياق منظومة معرفية متكاملة، حيث يظهر أن دراسة الآثار كانت جزءًا من اهتمام أوسع بالعلوم، شمل الجغرافيا والتاريخ واللغة والطب والفلك. ويعكس ذلك طبيعة العقل العلمى فى الحضارة الإسلامية، الذى لم يفصل بين التخصصات، بل تعامل مع المعرفة كشبكة حقول مترابطة.
ومن الجوانب اللافتة التى تناولها كل من الكتاب والمحاضرة، مواقف بعض العلماء المسلمين الذين دعوا إلى الحفاظ على الآثار المصرية، إدراكًا لقيمتها التاريخية والعلمية، فى وقت شهدت فيه بعض الفترات محاولات محدودة لهدم هذه الآثار ونبشها بحثًا عن الكنوز على يد من عرفوا بالمطالبين. ويعكس هذا الموقف وعيًا مبكرًا بأهمية التراث الإنسانى وضرورة صونه، وهو ما يتقاطع مع مفاهيم حديثة فى علم الآثار والحفاظ على التراث.
وقد أكدت الندوة، على أهمية إعادة قراءة تاريخ العلوم من منظور يتجاوز المركزية الأوروبية، ويعترف بإسهامات مختلف الحضارات فى بناء المعرفة الإنسانية. كما شددت على أن التفاعل بين الثقافات كان عاملًا أساسيًا فى تطور العلوم، وأن ما نشهده اليوم من تقدم هو نتاج تراكم طويل شاركت فيه شعوب متعددة عبر العصور.
وفى هذا السياق، يبرز الدكتور عكاشة الدالى كأحد أبرز الأصوات العلمية التى تسعى إلى تصحيح مسار كتابة تاريخ علم المصريات، من خلال ما يسميه «الألفية المفقودة»، وهى الفترة الممتدة بين العصور الكلاسيكية وبدايات النهضة الأوروبية، والتى شهدت نشاطًا علميًا ملحوظًا فى العالم الإسلامي.
كما يواصل الدكتور الدالى أبحاثه فى مجال تاريخ علم المصريات والدراسات العربية الوسيطة، حيث يتميّز مشروعه العلمى بقدرته على الجمع بين تخصصين دقيقين هما: علم المصريات، والمخطوطات العربية، وهو ما أتاح له قراءة النصوص العربية المتعلقة بمصر القديمة قراءة جديدة، تكشف عن أبعاد لم تكن مطروقة من قبل.
اختُتمت الفعالية بجلسة نقاشية ثرية أدارتها الدكتورة ياسمين أمين، مديرة مكتب المعهد الألمانى بالقاهرة، حيث أتيحت الفرصة للحضور لطرح تساؤلاتهم ومداخلاتهم حول موضوع المحاضرة. وقد تفاعل الدكتور عكاشة الدالى مع هذه الأسئلة بإجابات وافية، تناول فيها عددًا من القضايا المرتبطة بتاريخ دراسة الهيروغليفية فى التراث الإسلامي، موضحًا أبعادها العلمية ومؤكدًا أهمية مواصلة البحث فى هذا المجال. وأسهمت هذه الجلسة فى تعميق النقاش وفتح آفاق جديدة للتفكير، فى أجواء علمية حوارية عكست قيمة هذا اللقاء وأهميته حيث تمثل هذه المحاضرة إضافة نوعية للنقاش العلمى حول تاريخ العلوم، كما تعكس أهمية مثل هذه الفعاليات فى فتح آفاق بحثيَّة جديدة، وإعادة النظر فى المسلّمات المعرفية السائدة. وهى تذكير بأن تاريخ العلم ليس خطًا مستقيمًا يبدأ من نقطة واحدة، بل هو مسار معقد تشارك فى رسمه حضارات متعددة، لكل منها إسهامها الذى يستحق أن يُقرأ ويُقدَّر.
ومن الجدير بالذكر أن د. عكاشة الدالى يشغل حاليًا منصب زميل باحث فخرى أول بجامعة لندن كوليدج، وقد درس علم المصريات فى جامعة القاهرة، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه من جامعة لندن كوليدج. وامتدت خبراته الأكاديمية والتدريسية لتشمل مصر والمملكة المتحدة، حيث أسهم فى تدريس هذا التخصص فى عدد من المؤسسات العلمية. كما تولّى إدارة عدة مشروعات بحثية دولية، من بينها مشروعات تابعة لمؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة فى المملكة المتحدة.







