بسبب الانتقام الأعمى.. يقتلان صديقهما ويلتقطان صورًا مع جثته

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


الأسكندرية - محمد مجلي

لم تكن جريمة قتل عادية بل كانت نموذجًا مفزعًا لما آلت إليه نفوس بعض البشر وقلوبهم التى امتلأت بالغل والحقد ولم يعد فيها مكان للرحمة.

جريمة انتقام بشعة شهدت عليها شوارع الإسكندرية القديمة، حملت فى طياتها وطريقة تنفيذها كل ما يملأ نفس الجناة من غل وحقد نحو المجني عليه .

الغريب أن 8 سنوات كاملة لم تكن كافية لإطفاء نار الغضب في صدور المتهمين إلى أن جاء اليوم المشئوم وتم اللقاء المحتوم وعمد الجناة على قتله وتعذيبه و التمثيل بجثته وتصويره، بل وسولت لهم أنفسهم قطع كف يده اليمنى فى مشهد لن ينساه أبناء وأهالي  منطقة الدخيلة.

اعتقد الجناة أن الانتقام من صديقهم بهذه الطريقة الوحشية هو أفضل رد على رحلة ثأر مسمومة امتدت لسنوات، فشأنهم شأن الأصدقاء يختلفون ويتشاحنون ويعودون ويلومون ثم يتصالحون، لكن مع جريمة منطقة الهانوفيل، الوضع بدا مختلفًا وذلك فى القصة التي تعود شرارة البداية فيها إلى أكثر من ٨ سنوات، حيث تعود إلى عام 2018، والتي شهدت تورط المتهم الأول في خلافات مع أحد الأشخاص ليصبح المتهم فى مواجهة أحد رجال الضبطية القضائية الذي نجح فى الإمساك به والقبض عليه، لكن المتهم غافله وتعدى عليه ثم لاذ بالفرار هربًا، لكن رحلة هروبه لم تدم طويلاً، حيث ألقي القبض عليه، وذلك بفضل بلاغ تقدم به المجني عليه ووالدته، اللذان انحازا للعدالة والقانون لكنه لم يكن يدرك أن هذا الموقف النابع من شهامته، بمثابة حُكم مؤجل بالإعدام على الشاب.

السجن

تم ترحيل المتهم وصدر ضده حكم بالسجن لمدة ٤ سنوات من بينهم ٣ سنوات حبس بتهمة مقاومة السلطات، وسنة أخرى  بتهمة حيازة سلاح أبيض، ليقضي المتهم عقوبة الحبس خلف الأسوار ظل خلالها فكر واحد مسيطر على عقله وهو الانتقام من الشاب الذي تسبب في ضياع مستقبله وحرق قلب والدته عليه بعد أن شاركته الإبلاغ عنه.

قضى المتهم الأول ٤ سنوات ينتظر فيها لحظة خروجه من السجن لا ليبدأ حياة جديدة، وإنما للانتقام من صديقه الذي أبلغ عنه ووالدته وعقب نهاية المدة خرج المتهم وتوجه إلى المجني عليه والتقيا بمنطقة مينا البصل، فى مشهد مليئ بالأحداث الدرامية المخيفة، والأجواء المشحونة، فاتخذ المجني عليه الحذر والحيطة من موقف المتهم، ولم يتردد في استخدام سلاح ناري ليتعدى به على المتهم الأول، فأصابه بطلق ناري فى قدمه واتخذت كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة وصدر حكم بالسجن لمدة ٣ سنوات، وعلى الرغم من ذلك ظلت فكرة الانتقام تراود المتهم الأول، وعقب خروج المجني عليه من السجن، قرر الابتعاد  وبدء رحلة عمل وحياة جديدة،  وابتعد ثم افتتح محلا لبيع المنظفات، بحثًا عن المال الحلال والبعد عن الأزمات والمشكلات، إلا أنه لم يكن يدرى أن الشر فى انتظاره وعلى عتبة رزقه الجديد، إذ توجه له المتهم الثاني شريك المتهم الأول وحدثت بينهما مشادة عنيفة وفي لحظة ذعر وغضب، ألقى المجني عليه، مادة حارقة على وجه المتهم الثاني، مما تسبب في إصابته وتشوه ملامحه، ليُعاقب المجني عليه بالحبس ستة أشهر أخرى.

الهروب

وبات الحديث عن أزمات المتهمين والمجنى عليه، الشغل الشاغل لأبناء المنطقة ليبدأ معها رحلة الهروب من الموت، إذ أصبحت حياة المجنى عليه مهددة فى كل لحظة وبات الخطر يلاحقه، فقرر ترك المنزل وشراء منزل جديد بعيد كون المكان أصبح غير آمن فهجر بيته وأهله وجيرانه وقرر الإقامة خارج دائرة القسم تمامًا، ليعيش غريبًا متخفيًا، يترقب الوجوه في كل مكان، باحثًا عن الأمان المفقود له ولأسرته، خائفًا من تلك اللحظة التي يتقابل فيها مع خصومه الذين باتت ملامحهم مشوهة بنيران الحقد والمواد الحارقة.

على الرغم من مرور كل هذه السنوات لكن حدث ما لم يتمناه المجنى عليه، إذ شهد اليوم السابق لتلك الواقعة خروجه مع زوج شقيقته الذي كان يساعده في كسب قوتهما والعمل على سيارة أجرة، لكن القدر ساقه فى طريق الجناة، بعد أن تعطلت السيارة بهما فجأة بمنتصف شارع «مسجد عبد الفتاح الطلخاوي»، وركن السيارة والعودة فى اليوم التالي لقطرها إلى الميكانيكي.

الجريمة

وفي يوم الجريمة وصل المجنى عليه إلى مكان السيارة المعطلة، منتظرًا الميكانيكي ليعيد تشغيل مصدر رزق العائلة، لكنه لم يكن يعلم أن عينى المتهم الأول كانت تراقبه كصقر يتربص بفريسته، إذ وصلت الأنباء إلى المتهم بوجود غريمه في المنطقة، فاستل سكينًا حادًا وطار إلى المكان وعلامات الغدر تملأ ملامحه، إذ انقض المتهم الأول على المجني عليه بلا رحمة، وانهال عليه بطعنات نافذة في أنحاء متفرقة من جسده، وسط ذهول المارة.

لم يكتفِ المتهم بنزيف الضحية، بل أخرج هاتفه بكل دم بارد ليصور جريمته ويوثق لحظات احتضار خصمه وكأنه يحقق نصرًا زائفًا، ثم حضر صديقه الثاني إلى مسرح الجريمة حاملاً في يديه أسلحة بيضاء أخرى، وسددا للمجني عليه طعنات إضافية لضمان عدم النهوض مجددًا وذلك وسط حالة من الذهول بين أبناء المنطقة الذين حاولوا التدخل لإنقاذ المجنى عليه لكنهم فوجئوا بكل أنواع البلطجة والترهيب، ومانعين أي كائن من الاقتراب أو تقديم يد العون للضحية الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة على مرأى ومسمع من الجميع.

اعتقد الجميع أنه بسقوط المجني عليه أرضًا غارقًا في دمائه، أن الأمر قد انتهى، إذ أنه فقد القدرة على الحركة تمامًا، تقدم المتهم الأول وبيده سلاح أبيض كبير يشبه «السيف»، وهوى به بكل غل وقسوة على رسغ الضحية، ليقطع كف يده الأيمن ويفصله عن جسده في مشهد تقشعر له الأبدان ويهتز له عرش الرحمن وحمل المتهمان الكف المبتور وأسلحتهما، واستقلا دراجة بخارية «تروسيكل» كانت تنتظرهما، وفرا هاربين من مسرح الجريمة.

وتلقت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الإسكندرية،  إخطارًا من مأمور قسم شرطة الدخيلة، ما يفيد بوقوع جريمة قتل بشارع مسجد عبد الفتاح الطلخاوي متفرع من شارع إسكندرية مطروح دائرة القسم وسقوط شاب بين الحياة والموت وايداعه أحد المستشفيات، و تبين أن مرتكبى الواقعة صديقين للمتهم وأنهما أقدما على قتله انتقامًا منه على إبلاغ الجهات الأمنية عنهما من قبل.

على الفور انتقل ضباط القسم إلى محل البلاغ رفقة سيارة إسعاف واظهرت المعاينة الأولية أن المجني عليه مصاب بضربات قوية  متفرقة بأنحاء الجسم ما بين طعنية وقطعية وعقب إخطار النيابة العامة بوصول المجني عليه إلى مستشفى العجمي العام ما بين الحياة والموت لتتولى التحقيقات، فأمرت النيابة العامة بسرعة استطلاع إمكانية سؤال المجني عليه من عدمه، وتبين أنه فاقد للوعي وتوفي متأثرًا بإصابته التي أحدثت له هبوطًا حادًا في الدورة الدموية وتوقف عضلة القلب.

وأصدرت النيابة العامة قراراتها، بطلب تحريات المباحث الجنائية حول الواقعة وكشف ملابسات الجريمة وسماع أقوال شهود عيان الواقعة وتفريغ كاميرات المراقبة بمحيط مكان حدوث الجريمة وسؤال ضابط البلاغ الذي أفاد بقيام المجني عليه بالنطق بأسماء المتهمين قبل وفاته وتبين أنهما أصدقاء سابقين له وحدثت خلافات بينهم وأمرت النيابة بسرعة ضبط وإحضار المتهمين والأسلحة المستخدمة في ارتكاب الواقعة، ولاحقًا أمرت النيابة العامة، بالتصريح بدفن الجثة وحبس المتهمين على ذمة التحقيق وإحالتهما إلى محكمة جنايات الإسكندرية لمعاقبتهما على جريمتهما.

تداولت الواقعة بمحكمة جنايات الإسكندرية وشهدت مرافعة نارية لوكيل النائب العام قبل أن تصدر المحكمة قرارها بإحالة أوراق كل من «م.ع.م»، نجار ، و»خ.س.خ»، تاجر، إلى فضيلة مفتي الجمهورية لإبداء الرأي الشرعي فى تنفيذ حكم الإعدام بشأنهما لاتهامهما بقتل المجني عليه «م.ال.م» عمدًا بأسلحة بيضاء وتصوير أنفسهما عقب الواقعة.

صدر القرار برئاسة المستشار عبد الرحمن حافظ رئيس المحكمة، وعضوية كل من المستشار طارق الصيرفي، والمستشار شريف جبر، والمستشار عمر سليم،والمستشار عمر ابو كليلة وكيل النائب العام، و سكرتير المحكمة أحمد يوسف حجاج.

اقرأ  أيضا: «ميراث الدم».. مقتل شخصين وإصابة 4 آخرين في مجزرة عائلية بدمياط

;