تحت مزاعم العلاج من الإدمان.. الشرطة تنقذ 21 مريضًا داخل مركز وهمي

صورة تعبرية
صورة تعبرية


إسلام‭ ‬عبدالخالق

 

واحدة من الأمور التي باتت تتكرر بشكل مرعب؛ مكان غير آدمي وسط البنايات، يظن أصحابه أنهم بمنأى عن أعين القانون، يزيدون في غرورهم ويروجون لنشاط علاجي يتلهف من انزلقت أقدامهم في طريق الإدمان للخضوع إليه، وما بين هذا وذاك يكون المقابل آلاف الجنيهات في الليلة الواحدة، فيما تكتمل أضلاع «التمثيلية» ببرامج لا تعرف للعلاج سبيلًا، تارة بمنع التعاطي والتعنيف البدني، وتارةً أخرى بجرعات مُخدرة وكأنها العلاج، وهي منه كما السماء من الأرض.

وسط إحدى المناطق القريبة من الوسط لشعبي في عاصمة محافظة الشرقية، الزقازيق، بدأت القصة في هدوء، خلف أبواب مركزٍ يُقدم للناس باعتباره ملاذًا أخيرًا لمن أنهكتهم دوامة الإدمان، وأرهقت ذويهم رحلة البحث عن العلاج، وكان لسبيل إعلانات غير مباشرة، وكلمات مطمئنة تُتداول على نطاق آخذ في الاتساع بين الأهالي، ووعود بعلاجٍ سريع وإشراف متخصص.. هكذا بدأ نشاط «المصحة» التي كانت تعمل في الخفاء داخل أحد العقارات وسط المدينة الصاخبة.

كانت العائلات التي تضيق بها السُبل أمام معاناة أبنائها مع الإدمان تبحث عن أي بارقة أمل؛ بعضهم جاء عبر توصية صديق، وآخرون عبر وسطاء يروجون للمكان باعتباره مركز متخصص في علاج الإدمان والصحة النفسية، لكن، وبمرور الوقت، بدأ المكان يستقبل حالات متزايدة من المرضى، حتى تحول إلى ما يشبه المصحة المغلقة التي تُحتجز فيها الحالات لفترات طويلة تحت دعوى العلاج، والغريب في الأمر أن من يأتِ إلى المكان لا يغادره معافىً، بل ربما يتركه بعدما يضيق الحال بأهله في تكبد نفقات تُقدر بعشرات الآلاف في فتراتٍ وجيزة لا تنفع بأي حالٍ من الأحوال لأن يبرأ من سموم ما اعتاده من المواد المُخدرة.

خلف صورة طبية متخصصة -على خلاف الحقيقة- ود أصحاب المصحة «المشبوهة» أن يرسمونها في أذهان الجميع، وسعى القائمون على المكان إلى ترسيخها، كانت الحقيقة مختلفة تمامًا؛ فالمركز لم يكن يحمل أي ترخيص رسمي، ولم يحصل على موافقة الجهات المختصة لمزاولة نشاط علاج الإدمان أو تقديم خدمات الصحة النفسية، كما لم يخضع لأي إشراف طبي متخصص أو برامج علاجية معتمدة، فضلًا عن عدم وجود أية أمور من شأنها أن تشير إلى مكافحة العدوى أو حتى الحرص عليها، أو برامج وطرق طبية معتمدة لعلاج النزلاء.

ما بين فرار المرضى من المكان دون علاج، وإفلاس أهالي أغلبهم، ويأس من مكنتهم ظروفهم من تحمل النفقات المرتفعة من العلاج، ارتفعت وتيرة السُمعة الحقيقية للمكان: مصحة علاج بدون علاج، وبرامج للقضاء على أموال الناس لا إدمان المرضى، ومع تزايد الشكاوى والمعلومات التي وصلت إلى الجهات الصحية، بدأت خيوط القضية تتكشف تدريجيًا؛ فبدأ الجميع يتحدث، وبدايات جذب المكان للنزلاء بدأت تتكرر هي الأخرى، لكن هذه المرة بشأن صورة مغايرة للأولى، وأحاديث جميعها تؤكد أن المكان ما هو إلا وكر لمخالفة القانون تحت مزاعم علاج من ساقهم الحظ العثر للوقوع تحت يد الإدمان.

تحريات ومداهمة

وصلت المعلومات لإدارة العلاج الحر في مديرية الشئون الصحية بمحافظة الشرقية، والتي راح مسئولوها يكثفون تحرياتهم حول عدد من المراكز التي يشتبه في عملها خارج الإطار القانوني، خاصةً تلك التي تعلن عن علاج الإدمان دون الحصول على موافقة وزارة الصحة والسكان أو اعتماد من الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، وكانت بؤرة البحث والمتابعة تنحصر داخل مركز الزقزيق والأماكن التي تبدو بعيدة عن أعين المتابعة أو الرقابة.

وبعد متابعة دقيقة، تبين أن أحد هذه المراكز يزاول نشاطه بالفعل داخل نطاق مركز ومدينة الزقازيق دون أي تراخيص رسمية، وأن المعلومات التي يتحدث عنها البعض هي والحقيقة سواء؛ إذ تبين أن المركز «مشبوه» قولًا وفعلًا، لا توجد تراخيص للمكان ولا يوجد لاسمه أي وجود في السجلات الرسمية بين مراكز علاج الإدمان والصحة النفسية التابعة والخاضعة لإشراف وزارة الصحة والسكان، وهو ما دفع مديرية الشئون الصحية إلى التحرك سريعًا لتنفيذ حملة تفتيشية مفاجئة لضبط المخالفات.

يوم الحملة كان بعد ساعات من بداية ليالي شهر رمضان المبارك، تحرك فريق من إدارة العلاج الحر بمديرية الشئون الصحية، بمشاركة مفتشي الجهات المختصة، وبالتنسيق مع الأجهزة المحلية وقوة من مركز الشرطة، ليصلوا إلى مقر المركز المشبوه، وما أن دخلت الحملة إلى المكان حتى تكشفت صورة صادمة لواقع مختلف تمامًا عن الصورة التي جرى تسويقها للأهالي؛ فالمركز لم يكن سوى دور أرضي مفتوح المساحة بلا تقسيمات طبية حقيقية، إضافةً إلى بدروم يُستخدم في إيواء الحالات، لا غرف علاجية مجهزة، ولا تجهيزات طبية مناسبة، ولا اشتراطات صحية أو إجراءات لمكافحة العدوى، ولا حتى سجل واضح لبرنامج علاجي من شأنه أن يعرف الطريق للشفاء سبيلًا، الأمر الذي كشف حجم المخاطر التي كانت تحيط بالمرضى المحتجزين داخله.

مفاجآت

وخلال التفتيش، عُثر داخل المكان على 21 حالة من المرضى الذين كانوا يتلقون ما يُقال إنه «علاج من الإدمان»، إلى جانب عدد من المشرفين على المركز، لكن المفاجأة الأكبر كانت في غياب أي إشراف طبي متخصص أو برامج علاجية معتمدة، ما يعني أن المرضى كانوا يقضون فترة علاجهم في بيئة غير آمنة صحيًا أو طبيًا.

التحقيقات المبدئية كشفت كذلك أن المركز يعمل بالمخالفة لقانون المنشآت الطبية غير الحكومية رقم 51 لسنة 1981 وتعديلاته، إضافة إلى مخالفته قانون تنظيم علاج الإدمان والصحة النفسية رقم 71 لسنة 2009، فضلًا عن عدم الالتزام بالاشتراطات البيئية والصحية المفروضة على هذا النوع من المنشآت العلاجية.

وعلى الفور، اتخذت الإجراءات القانونية اللازمة؛ حيث جرى تشميع المركز بالكامل وإيقاف نشاطه، مع تحرير المحضر رقم 4222 جنح مركز الزقازيق لسنة 2026، فيما بدأت مديرية الشئون الصحية نقل المرضى الذين كانوا داخل المركز «المشبوه» إلى أحد المستشفيات التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان؛ لضمان تلقيهم العلاج بشكل آمن وتحت إشراف طبي متخصص، فضلًا عن التواصل مع ذويهم لإخبارهم بما يجرى للاطمئنان على حال ذويهم وأنهم باتوا يخضعون لبرنامج علاجي تحت إشراف الأجهزة الطبية الرسمية المعتمدة.

القضية لم تكن مجرد ضبط مركز غير مرخص، بل كشفت جانبًا خطيرًا من ظاهرة انتشار المصحات الوهمية التي تستغل معاناة الأسر مع الإدمان، وتستدرج المرضى إلى أماكن تفتقر إلى أبسط معايير العلاج والرعاية الطبية، وهو ما أكده الدكتور أحمد البيلي، وكيل وزارة الصحة في محافظة الشرقية، الذي أكد كذلك استمرار الحملات الرقابية، وأن مديرية الشؤون الصحية بالشرقية ماضية في تشديد الرقابة على مراكز علاج الإدمان والمنشآت الطبية الخاصة، لضبط أي كيانات تعمل خارج الإطار القانوني، حمايةً للمرضى ومنعًا لاستغلال آلام الأسر الباحثة عن العلاج.

وكيل وزارة الصحة بمحافظة الشرقية أكد؛ أن يقظة رجال إدارة العلاج الحر في المديرية، برئاسة الدكتورة دعاء أباظة مديرة الإدارة، تحت إشراف الدكتور بهاء أبوشعيشع وكيل المديرية، وبمشاركة الدكتور أبو الفتوح حسيب، والدكتور أحمد كمال، والدكتور أحمد إبراهيم، مفتشي العلاج الحر، ساهمت في ضبط المركز المخالف وإنقاذ الحالات التي كانت محتجزه بداعي العلاج، ليتم اتخاذ الإجرءات القانونية اللازمة حيال المركز والقائمين عليه، مع نقل المرضى إلى أحد مستشفيات الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان لتلقي العلاج والرعاية الطبية اللازمة.

اقرأ أيضا: الصحة تغلق 14 مركزاً غير مرخص لعلاج الإدمان بمدينة بدر

;