رؤية مصرية

حجر رشيد..وعصر المسوخ


قال العالم الكبيرألبرت أينشتين « الجنون هو أن تكرر نفس الفعل مِراراً وتنتظر الوصول إلى نتيجة مغايرة لنفس الفعل فى كل مرة تكرره»!!..وهناك مَن يمارسون علينا هذا الجنون بلا رحمة ويكررون نفس الأخطاء والسياسات الفاشلة ويبشروننا بنتائج مختلفة.. وفى مقالى السابق أشرت إلى «دراويش صندوق النقد « الذين يتعمدون ترويج بضاعة فاسدة و»حزمة سياسات» اقتصادية كارثية أدت إلى إفلاس وخراب كل الدول التى طبقتها..وهؤلاء «نُخبة مصطفاة» من المصرفيين ومدعى العلم بالاقتصاد يسيطرون على البنوك ودوائر صنع القرار فى مؤسسات الدولة ومهمتهم الأساسية الترويج للاقتصاد الريعى الذى لا يقوم على العمل والإنتاج وإنما على الاستثمار فى البورصة والقطاعات الاستهلاكية والخدمية والعقارية.. ولكى نعرف من أين هبط علينا هؤلاء، وماذا حدث للشخصية المصرية وأصابها بكل هذه التشوهات..علينا قراءة كتاب « حجر رشيد.. الخروج الآمن لمصر» للمفكر الدكتور مصطفى حجازي..والذى يشرح فيه ما أحدثه الانفتاح الاقتصادى الاستهلاكى من تدمير للاقتصاد وتخريب لهوية المصريين.. يقول «صحيح أن الانفتاح جعل فكرة الاستهلاك هى الفكرة المحركة للمجتمع وتزامن مع خلق فرص للكسب السريع التى جاء بعضها طبيعيا بينما صُنع بعضها الآخر صُنعاً بغرض خلق طبقات جديدة أريد لها أن تكون ظهير التحول المصرى سياسياً واقتصادياً من الشرق إلى الغرب..وقد جاء ذلك فى أحاديث هنرى كيسنجر مع الرئيس السادات عن ضرورة تغيير التركيبة الطبقية للمجتمع المصرى لتَقَبُل الثقافة الرأسمالية القادمة بعد حرب اكتوبر..التى كان الانفتاح أولى بشائرها».. وهذا كلام واضح ومباشر عن دور واشنطن - ومن خلال توظيف المعونة الامريكية لمصر- فى خلق طبقة من صغار المليونيرات تؤمن بالحلم الأمريكى فى الثراء السريع وتعمل فى التصدير والاستيراد وتُغرِق السوق بكل ما هو أجنبى على حساب الاقتصاد الوطنى والإنتاج المحلى حتى صرنا لا نُنتِج شيئاً تقريباً!!..وبلغ نفوذ هذه الطبقة أوجه تحت رعاية جمال مبارك الذى زرعهم فى البنوك والبورصة والغرف التجارية..وكان من الطبيعى أن يصيروا المدافع الاول عن سياسات وإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين..وهؤلاء بالقطع هم من يقفون وراء عدم تطبيق الحد الأقصى للدخول - لأن دخول بعضهم الشهرية تتجاوز المليونى جنيه   وإلغاء الضريبة على أرباح البورصة واستحداث ضريبة القيمة المضافة ورفع اسعار الكهرباء والخدمات الأخرى.
ويتعرض الكتاب لأخطر الآفات التى أصابت المجتمع المصري.. فبعد ثورة 1952 شخصنا الأمراض على أنها الفقر والجهل والمرض ثم أضفنا إليها «الادعاء» أو «اللوع والفهلوة « بعد 1973..وأخيراً وبعد ثورة 25 يناير وموجتها الثانية فى 30 يونيو، أصابنا «المسخ»..وهنا يقول المؤلف « أن تصبح مسوغات ترقيك فى المجتمع هى اقتران جهلك وقلة كفاءتك بجرأة ادعاء المعرفة أو وقاحة الطعن على ضرورة الكفاءة...فمرحباً بك فى أرض المسوخ»!!..حيث «تصبح الكفاءة وأصحابها هم العدو فاحذرهم..وتصبح أكثر وسائل الحرب شيوعاً على ذوى الأهلية، هى دعم محدودى الكفاءة..».
ولكن الكاتب يستدرك قائلاً إن الانفتاح الاقتصادى لم يكن وحده هو «المؤسس لقيم الادعاء..ولكن انسداد الأفق السياسى وضعف المؤسسة التعليمية والثقافية كان له الدور الأكبر فى انحسار التدافع المجتمعى على معايير صحيحة..» ومع تفشى ثقافة «الادعاء» نتيجة تراجع التعليم والتأهيل، توارت قيمة «الأهلية» التى يرى الكاتب أنها «المؤسس الأوحد لمشروعية القيادة»، مشيراً إلى أنه فى مجتمعات القهر والفوضى يحارب القابضون على السلطة والطامحون لها، أصحاب الكفاءات « لأنهم خطر على المدعين أو المغتصبين ولأنها تؤسس لقيادة منافسة بشرعية الأهلية..أى أن يصبح العرف «هو محاربة الكفاءة والأكفاء انتصاراً للمسخ والمسوخ»!!..ولتنظر حولك لترى كم المُسوخ التى تملأ الفضاء العام والتى صنعها انفتاح السداح مداح.