مازلت أؤمن أن معرفة التاريخ واستدعاء أحداثه هو الجزء الرئيسى فى نجاح أى رؤية أو منظومة مستقبلية، وذاكرة الأوطان منزلتها تتعدى منزلة الجغرافيا، لأن لا حدود لها.
وظنى أن قرار الرئيس السيسى أمس بأرشفة ورقمنة تراث الإذاعة والتليفزيون المصرى، هو حماية لذاكرة مصر والحفاظ على هويتها الثقافية المتمثلة فى هذا التراث الذى ظل لعقود متروكًا ومهملًا، دون أن يلتفت أحد لأهميته، فالإذاعة والتليفزيون المصرى كانا شاهدين على تاريخ مصر والمصريين، وخزينة وثائق كل الأحداث، الأفراح والأحزان، الكبوات والقفزات، النكسة والنصر، الثورات، وحوت وصف مصر كما هو دون تجميل أو روتوش، وسجلت بالصوت والصورة إنجازات عظيمة غيرت مجرى التاريخ، من اكتشاف مقابر الفراعنة، وبناء السد العالى وحفر قناة السويس القديمة والجديدة، وتأميم القناة، والعدوان الثلاثى، وعبور القناه، وهدم خط بارليف هذا المانع الذى تتباهى به إسرائيل، والذى حوله الجنود المصريون إلى أطلال، واندلاع ثورة ١٩١٩ وعودة سعد زغلول من المنفى، وثورة ٢٣ يوليو، وخروج الملك فاروق من مصر وأحداث ٢٥ يناير وثورة ٣٠ يونيو وبيان ٣ يوليو، وجنازة عبد الناصر وأم كلثوم وعبد الحليم وتوقيع اتفاقية السلام والخطاب التاريخى لبطل الحرب والسلام الشهيد أنور السادات فى الكنيست وحادث اغتياله أمام المنصة، والمحاكمات التى أعقبت ثورات ٢٣يوليو و٢٥ يناير و٣٠ يونيو، والخطابات المهمة لزعماء مصر الوطنيين من أول محمد نجيب مرورًا بجمال عبد الناصر والسادات وحسنى مبارك وصولًا للرئيس السيسى، وتراث الإذاعة والتليفزيون ليس فقط أفلامًا ومسلسلات، ولكنه حوارات ولقاءات وأحاديث لعظماء الأدب والفكر والعلم والسياسة والفن ومشايخ الأزهر وباباوات الكنيسة، فكل هؤلاء شهود ورموز لعصور مرت على مصر، وهم من صنعوا تاريخها ومجدها وصاغوا مستقبلها، وآن الأوان أن يتم تسهيل استدعاء هذا التراث والإرث الذى هو ملك لكل الأجيال المتعاقبة، لتكون بمثابة بوصلة لمستقبلهم.. من خلال الأرشفة والرقمنة، لتكون فى المتناول بسرعة وسهولة من خلال التكنولوجيا الحديثة.
وأتمنى أن يتم خلال هذا المشروع الضخم ضم الأفلام الوثائقية التى تملكها الهيئة العامة للاستعلامات، والتى تؤرخ لكل مراحل مصر بالصوت والصورة، والتى كانت تعرض زمان فى دور السينما قبل عرض الأفلام.. هذا المشروع يحمى ذاكرة مصر من النسيان، ويقيها شر الإصابة بالألزهايمر.
تاريخ مصر يستحق التوثيق.
وطن بلا ذاكرة لا مستقبل له.



اجيب لك إيه معايا ؟
الشمس لا تشرق على غزة
صانعة أجيال!









